فصل: تفسير الآيات رقم (22- 59)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير النسفي المسمى بـ «مدارك التنزيل وحقائق التأويل» ***


سورة الزخرف

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 18‏]‏

‏{‏حم ‏(‏1‏)‏ وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ ‏(‏2‏)‏ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ‏(‏3‏)‏ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ‏(‏4‏)‏ أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ ‏(‏5‏)‏ وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ ‏(‏6‏)‏ وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ‏(‏7‏)‏ فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ ‏(‏8‏)‏ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ‏(‏9‏)‏ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ‏(‏10‏)‏ وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ‏(‏11‏)‏ وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ ‏(‏12‏)‏ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ‏(‏13‏)‏ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ ‏(‏14‏)‏ وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ ‏(‏15‏)‏ أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ ‏(‏16‏)‏ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ‏(‏17‏)‏ أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ ‏(‏18‏)‏‏}‏

‏{‏حم والكتاب المبين‏}‏ أقسم بالكتاب المبين وهو القرآن، وجعل قوله ‏{‏إِنَّا جعلناه‏}‏ صيرناه ‏{‏قُرْءَاناً عَرَبِيّاً‏}‏ جواباً للقسم وهو من الأيمان الحسنة البديعة لتناسب القسم والمقسم عليه، والمبين البين للذين أنزل عليهم لأنه بلغتهم وأساليبهم أو الواضح للمتدبرين أو الذي أبان طرق الهدى من طرق الضلالة وأبان كل ما تحتاج إليه الأمة في أبواب الديانة ‏{‏لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ‏}‏ لكي تفهموا معانيه ‏{‏وَإِنَّهُ فِى أُمِّ الكتاب لَدَيْنَا‏}‏ وإن القرآن مثبت عند الله في اللوح المحفوظ، دليله قوله‏:‏ ‏{‏بَلْ هُوَ قُرْءانٌ مَّجِيدٌ فِى لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ‏}‏ ‏[‏البروج‏:‏ 21-22‏]‏‏.‏ وسمي أم الكتاب لأنه الأصل الذي أثبتت فيه الكتب منه تنقل وتستنسخ‏.‏ ‏{‏أُمُّ الكتاب‏}‏ بكسر الألف‏:‏ علي وحمزة ‏{‏لَّعَلِىٌّ‏}‏ خبر «إن» أي في أعلى طبقات البلاغة أو رفيع الشأن في الكتب لكونه معجزاً من بينها ‏{‏حَكِيمٌ‏}‏ ذو حكمة بالغة ‏{‏أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذكر‏}‏ أفننحي عنكم الذكر ونذوده عنكم على سبيل المجاز من قولهم «ضرب الغرائب عن الحوض»‏.‏ والفاء للعطف على محذوف تقديره أنهملكم فنضرب عنكم الذكر إنكاراً لأن يكون الأمر على خلاف ما قدم من إنزاله الكتاب‏؟‏ وجعله قرآناً عربياً ليعقلوه وليعلموا بمواجبه ‏{‏صَفْحاً‏}‏ مصدر من صفح عنه إذا أعرض، منتصب على أنه مفعول له على معنى أفنعزل عنكم إنزال القرآن وإلزام الحجة به إعراضاً عنكم‏.‏ ويجوز أن يكون مصدراً على خلاف الصدر لأنه يقال «ضربت عنه» أي أعرضت عنه كذا قاله الفراء ‏{‏إِن كُنتُمْ‏}‏ لأن كنتم ‏{‏إِن كُنتُمْ‏}‏ مدني وحمزة‏.‏ وهو من الشرط الذي يصدر عن المدل بصحة الأمر المتحقق لثبوته كما يقول الأجير‏:‏ إن كنت عملت لك فوفني حقي وهو عالم بذلك ‏{‏قَوْماً مُّسْرِفِينَ‏}‏ مفرطين في الجهالة مجاوزين الحد في الضلالة‏.‏

‏{‏وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيٍّ فِى الأولين‏}‏ أي كثيراً من الرسل أرسلنا من تقدمك ‏{‏وَمَا يَأْتِيهِم مّنْ نَّبِىٍّ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ‏}‏ هي حكاية حال ماضية مستمرة أي كانوا على ذلك وهذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن استهزاء قومه‏.‏

‏{‏فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً‏}‏ تمييز، والضمير للمسرفين لأنه صرف الخطاب عنهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره عنهم ‏{‏ومضى مَثَلُ الأولين‏}‏ أي سلف في القرآن في غير موضع منه ذكر قصتهم وحالهم العجيبة التي حقها أن تسير مسير المثل، وهذا وعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ووعيد لهم‏.‏ ‏{‏وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ‏}‏ أي المشركين ‏{‏مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العزيز العليم الذى جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداً‏}‏ كوفي وغيره مهاداً أي موضع قرار ‏{‏وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً‏}‏ طرقاً ‏{‏لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ‏}‏ لكي تهتدوا في أسفاركم‏.‏

‏{‏والذى نَزَّلَ مِنَ السمآء مَآءً بِقَدَرٍ‏}‏ بمقدار يسلم معه العباد ويحتاج إليه البلاد ‏{‏فَأَنشَرْنَا‏}‏ فأحيينا عدول من المغايبة إلى الإخبار لعلم المخاطب بالمراد ‏{‏بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً‏}‏ يريد ميّتاً ‏{‏كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ‏}‏ من قبوركم أحياء ‏{‏تُخْرَجُونَ‏}‏ حمزة وعلي ولا وقف على ‏{‏العليم‏}‏ لأن ‏{‏الذى‏}‏ صفته، وقد وقف عليه أبو حاتم على تقدير «هو الذي»، لأن هذه الأوصاف ليست من مقول الكفار لأنهم ينكرون الإخراج من القبور فكيف يقولون ‏{‏كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ‏}‏ بل الآية حجة عليهم في إنكار البعث ‏{‏والذى خَلَقَ الأزواج‏}‏ الأصناف ‏{‏كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الفلك والأنعام مَا تَرْكَبُونَ‏}‏ أي تركبونه‏.‏ يقال‏:‏ ركبوا في الفلك وركبوا الأنعام فغلب المتعدي بغير واسطة لقوته على المتعدي بواسطة فقيل تركبونه ‏{‏لِتَسْتَوُواْ على ظُهُورِهِ‏}‏ على ظهور ما تركبونه وهو الفلك والأنعام ‏{‏ثُمَّ تَذْكُرُواْ‏}‏ بقلوبكم ‏{‏نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا استويتم عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ‏}‏ بألسنتكم ‏{‏سبحان الذى سَخَّرَ لَنَا هذا‏}‏ ذلل لنا هذا المركوب ‏{‏وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ‏}‏ مطيقين‏.‏ يقال‏:‏ أقرن الشيء إذا أطاقه وحقيقة أقرنه وجده قرينته لأن الصعب لا يكون قرينة للضعيف ‏{‏وَإِنَّا إلى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ‏}‏ لراجعون في المعاد‏.‏ قيل‏:‏ يذكرون عند ركوبهم مراكب الدنيا آخر مركبهم منها وهو الجنازة‏.‏ وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا وضع رجله في الركاب قال‏:‏ بسم الله‏.‏ فإذا استوى على الدابة قال‏:‏ الحمد لله على كل حال، ‏{‏سبحان الذى سَخَّرَ لَنَا هذا‏}‏ إلى قوله ‏{‏لَمُنقَلِبُونَ‏}‏ وكبر ثلاثاً وهلل ثلاثاً‏.‏ وقالوا‏:‏ إذا ركب في السفينة قال‏:‏ ‏{‏بِسْمِ الله مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 41‏]‏ وحكي أن قوماً ركبوا وقالوا ‏{‏سبحان الذى سَخَّرَ لَنَا هذا‏}‏ الآية‏.‏ وفيهم رجل على ناقة لا تتحرك هزالاً فقال‏:‏ إني مقرن لهذه فسقط منها لوثبتها واندقت عنقه‏.‏ وينبغي أن لا يكون ركوب العاقل للتنزه والتلذذ بل للاعتبار، ويتأمل عنده أنه هالك لا محالة ومنقلب إلى الله غير منفلت من قضائه‏.‏

‏{‏وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً‏}‏ متصل بقوله ‏{‏وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ‏}‏ أي ولئن سألتهم عن خالق السماوات والأرض ليعترفن به وقد جعلوا له مع ذلك الاعتراف من عباده جزأ أي قالوا الملائكة بنات الله فجعلوهم جزأ له وبعضاً منه كما يكون الولد جزأ لوالده ‏{‏جُزُؤاً‏}‏ أبو بكر وحماد ‏{‏إِنَّ الإنسان لَكَفُورٌ مُّبِينٌ‏}‏ لجحود للنعمة ظاهر جحوده لأن نسبة الولد إليه كفر والكفر أصل الكفران كله ‏{‏أَمِ اتخذ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وأصفاكم بالبنين‏}‏ أي بل أتخذ والهمزة للإنكار تجهيلاً لهم وتعجيباً من شأنهم حيث ادعوا أنه اختار لنفسه المنزلة الأدنى ولهم الأعلى ‏{‏وَإِذَا بُشّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ للرحمن مَثَلاً‏}‏ بالجنس الذي جعله له مثلاً أي شبهاً لأنه إذا جعل الملائكة جزءاً لله وبعضاً منه فقد جعله من جنسه ومماثلاً له لأن الولد لا يكون إلا من جنس الوالد ‏{‏ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ‏}‏ يعني أنهم نسبوا إليه هذا الجنس، ومن حالهم أن أحدهم إذا قيل له قد ولدت لك بنت اغتم واربد وجهه غيظاً وتأسفاً وهو مملوء من الكرب والظلول بمعنى الصيرورة ‏{‏أَوْ مَن يُنَشَّؤُا فِى الحلية وَهُوَ فِى الخصام غَيْرُ مُبِينٍ‏}‏ أي أو يجعل للرحمن من الولد من هذه الصفة المذمومة صفته وهو أنه ينشأ في الحلية أي يتربى في الزينة والنعمة، وهو إذا احتاج إلى مجاناة الخصوم ومجاراة الرجال كان غير مبين، ليس عنده بيان ولا يأتي ببرهان وذلك لضعف عقولهن‏.‏

قال مقاتل‏:‏ لا تتكلم المرأة إلا وتأتي بالحجة عليها‏.‏ وفيه أنه جعل النشأة في الزينة من المعايب، فعلى الرجل أن يجتنب ذلك ويتزين بلباس التقوى، و‏{‏من‏}‏ منصوب المحل والمعنى أو جعلوا من ينشأ في الحلية يعني البنات لله عز وجل ‏{‏يُنَشَّأُ‏}‏ حمزة وعلي وحفص أي يربي قد جمعوا في كفرهم ثلاث كفرات، وذلك أنهم نسبوا إلى الله الولد، ونسبوا إليه أخس النوعين، وجعلوه من الملائكة المكرمين فاستخفوا بهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏19- 32‏]‏

‏{‏وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ ‏(‏19‏)‏ وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ‏(‏20‏)‏ أَمْ آَتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ ‏(‏21‏)‏ بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ‏(‏22‏)‏ وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ‏(‏23‏)‏ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آَبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ‏(‏24‏)‏ فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ‏(‏25‏)‏ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ ‏(‏26‏)‏ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ‏(‏27‏)‏ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ‏(‏28‏)‏ بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآَبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ ‏(‏29‏)‏ وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ ‏(‏30‏)‏ وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآَنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ‏(‏31‏)‏ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ‏(‏32‏)‏‏}‏

‏{‏وَجَعَلُواْ الملئكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إناثا‏}‏ أي سموا وقالوا إنهم إناث ‏{‏عِندَ الرحمن‏}‏ مكي ومدني وشامي، أي عندية منزلة ومكانة لا منزل ومكان‏.‏ والعباد جمع عبد وهو ألزم في الحجاج مع أهل العناد لتضاد بين العبودية والولاد ‏{‏أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ‏}‏ وهذا تهكم بهم يعني أنهم يقولون ذلك من غير أن يستند قولهم إلى علم، فإن الله لم يضطرهم إلى علم ذلك ولا تطرقوا إليه باستدلال ولا أحاطوا به عن خبر يوجب العلم ولم يشاهدوا خلقهم حتى يخبروا عن المشاهدة ‏{‏سَتُكْتَبُ شهادتهم‏}‏ التي شهدوا بها على الملائكة من أنوثتهم ‏{‏وَيُسْئَلُونَ‏}‏ عنها وهذا وعيد‏.‏

‏{‏وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ الرحمن مَا عبدناهم‏}‏ أي الملائكة‏.‏ تعلقت المعتزلة بظاهر هذه الآية في أن الله تعالى لم يشأ الكفر من الكافر وإنما شاء الإيمان، فإن الكفار ادعوا أن الله شاء منهم الكفر وما شاء منهم ترك عبادة الأصنام حيث قالوا ‏{‏لَوْ شَآءَ الرحمن مَا عبدناهم‏}‏ أي لو شاء منا أن نترك عبادة الأصنام لمنعنا عن عبادتها، ولكن شاء منا عبادة الأصنام، والله تعالى رد عليهم قولهم واعتقادهم بقوله ‏{‏مَّا لَهُم بِذَلِكَ‏}‏ المقول ‏{‏مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ‏}‏ أي يكذبون، ومعنى الآية عندنا أنهم أرادوا بالمشيئة الرضا وقالوا‏:‏ لو لم يرض بذلك لعجل عقوبتنا، أو لمنعنا عن عبادتها منع قهر واضطرار، وإذ لم يفعل ذلك فقد رضي بذلك، فرد الله تعالى عليهم بقوله ‏{‏مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ‏}‏ الآية‏.‏ أو قالوا ذلك استهزاءً لا جداً واعتقاداً، فأكذبهم الله تعالى فيه وجهلهم حيث لم يقولوا عن اعتقاد كما قال مخبراً عنهم‏.‏ ‏{‏أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاء الله أَطْعَمَهُ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 47‏]‏‏.‏ وهذا حق في الأصل، ولكن لما قالوا ذلك استهزاءً كذبهم الله بقوله ‏{‏إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِى ضلال مُّبِينٍ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 47‏]‏ وكذلك قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله‏}‏ ثم قال ‏{‏والله يَشْهَدُ إِنَّ المنافقين لكاذبون‏}‏ ‏[‏المنافقون‏:‏ 1‏]‏ لأنهم لم يقولوه عن اعتقاد وجعلوا المشيئة حجة لهم فيما فعلوا باختيارهم، وظنوا أن الله لا يعاقبهم على شيء فعلوه بمشيئته، وجعلوا أنفسهم معذورين في ذلك، فرد الله تعالى عليهم ‏{‏أَمْ ءاتيناهم كتابا مِّن قَبْلِهِ‏}‏ من قبل القرآن أو من قبل قولهم هذا ‏{‏فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ‏}‏ آخذون عاملون‏.‏ وقيل‏:‏ فيه تقديم وتأخير تقديره أشهدوا خلقهم أم آتيناهم كتاباً من قبله فيه أن الملائكة إناث ‏{‏بَلْ قَالُوآ‏}‏ بل لا حجة لهم يتمسكون بها لا من حيث العيان ولا من حيث العقل ولا من حيث السمع إلا قولهم ‏{‏إِنَّا وَجَدْنَآ ءابَآءَنَا‏}‏ على دين فقلدناهم وهي من الأم وهو القصد فالأمة الطريقة التي تؤم أي تقصد ‏{‏وإِنّا على آثَارِهِمْ مُّهْتَدُونَ‏}‏ الظرف صلة المهتدون أو هما خبران‏.‏

‏{‏وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ‏}‏ نبي ‏{‏إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ‏}‏ أي متنعموها وهم الذين أترفتهم النعمة أي أبطرتهم فلا يحبون إلا الشهوات والملاهي ويعافون مشاق الدين وتكاليفه ‏{‏إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَآءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وإِنَّا عَلَى ءاثارهم مُّقْتَدُونَ‏}‏ وهذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وبيان أن تقليد الآباء داء قديم ‏{‏قال‏}‏ شامي وحفص أي النذير، ‏{‏قُلْ‏}‏‏:‏ غيرهما أي قيل للنذير قل ‏{‏أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بأهدى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ ءَابَآءَكُمْ‏}‏ أي أتتبعون آباءكم ولو جئتكم بدين أهدى من دين آبائكم‏؟‏ ‏{‏قَالُوآ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافرون‏}‏ إنا ثابتون على دين آبائنا وإن جئتنا بما هو أهدى وأهدى ‏{‏فانتقمنا مِنْهُمْ‏}‏ فعاقبناهم بما استحقوه على إصرارهم ‏{‏فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة المكذبين وَإِذْ قَالَ إبراهيم لأَِبِيهِ وَقَوْمِهِ‏}‏ أي واذكر إذ قال ‏{‏إِنَّنِى بَرَآءٌ‏}‏ أي بريء وهو مصدر يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع والمذكر والمؤنث كما تقول‏:‏ رجل عدل وامرأة عدل وقوم عدل والمعنى ذو عدل وذات عدل ‏{‏مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الذى فَطَرَنِى‏}‏ استثناء منقطع كأنه قال‏:‏ لكن الذي فطرني ‏{‏فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ‏}‏ يثبتني على الهداية ‏{‏وَجَعَلَهَا‏}‏ وجعل إبراهيم عليه السلام كلمة التوحيد التي تكلم بها وهي قوله ‏{‏إِنَّنِى بَرَاء مّمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الذى فَطَرَنِى‏}‏ ‏{‏كَلِمَةً باقية فِى عَقِبِهِ‏}‏ في ذريته فلا يزال فيهم من يوحد الله ويدعو إلى توحيده ‏{‏لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ‏}‏ لعل من أشرك منهم يرجع بدعاء من وحد منهم والترجي لإبراهيم‏.‏ ‏{‏بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلآءِ وَءَابَآءَهُمْ‏}‏ يعني أهل مكة وهم من عقب إبراهيم بالمد في العمر والنعمة فاغتروا بالمهلة وشغلوا بالتنعم واتباع الشهوات وطاعة الشيطان عن كلمة التوحيد ‏{‏حتى جَآءَهُمُ الحق‏}‏ أي القرآن ‏{‏وَرَسُولٌ‏}‏ أي محمد عليه السلام ‏{‏مُّبِينٌ‏}‏ واضح الرسالة بما معه من الآيات البينة‏.‏ ‏{‏وَلَمَّا جَآءَهُمُ الحق‏}‏ القرآن ‏{‏قَالُواْ هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافرون وَقَالُواْ‏}‏ فيه متحكمين بالباطل ‏{‏لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرءان‏}‏ فيه استهانة به ‏{‏على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ‏}‏ أي رجل عظيم من إحدى القريتين كقوله ‏{‏يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 22‏]‏ أي من أحدهما، والقريتان‏:‏ مكة والطائف‏.‏ وعنوا بعظيم مكة الوليد بن المغيرة، وبعظيم الطائف عروة بن مسعود الثقفي، وأرادوا بالعظيم من كان ذا مال وذا جاه ولم يعرفوا أن العظيم من كان عند الله عظيماً‏.‏ ‏{‏أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتِ رَبِّكَ‏}‏ أي النبوة، والهمزة للإنكار المستقل بالتجهيل والتعجيب من تحكمهم في اختيار من يصلح للنبوة ‏{‏نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ‏}‏ ما يعيشون به وهو أرزاقهم ‏{‏فِى الحياوة الدنيأ‏}‏ أي لم نجعل قسمة الأدون إليهم وهو الرزق فكيف النبوة‏؟‏ أو كما فضلت البعض على البعض في الرزق فكذا أخص بالنبوة من أشاء ‏{‏وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ درجات‏}‏ أي جعلنا البعض أقوياء وأغنياء وموالي والبعض ضعفاء وفقراء وخدماء ‏{‏لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً‏}‏ ليصرف بعضهم بعضاً في حوائجهم ويستخدموهم في مهنهم ويتسخروهم في أشغالهم حتى يتعايشوا ويصلوا إلى منافعهم هذا بماله وهذا بأعماله ‏{‏وَرَحْمَتُ رَبِّكَ‏}‏ أي النبوة أو دين الله وما يتبعه من الفوز في المآب ‏{‏خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ‏}‏ مما يجمع هؤلاء من حطام الدنيا‏.‏ ولما قلل أمر الدنيا وصغرها أردفه بما يقرر قلة الدنيا عنده فقال‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏33- 51‏]‏

‏{‏وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ‏(‏33‏)‏ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ ‏(‏34‏)‏ وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ‏(‏35‏)‏ وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ‏(‏36‏)‏ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ‏(‏37‏)‏ حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ ‏(‏38‏)‏ وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ‏(‏39‏)‏ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ‏(‏40‏)‏ فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ ‏(‏41‏)‏ أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ ‏(‏42‏)‏ فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ‏(‏43‏)‏ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ‏(‏44‏)‏ وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آَلِهَةً يُعْبَدُونَ ‏(‏45‏)‏ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏46‏)‏ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآَيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ ‏(‏47‏)‏ وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ‏(‏48‏)‏ وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ ‏(‏49‏)‏ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ ‏(‏50‏)‏ وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ ‏(‏51‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَوْلآ أَن يَكُونَ الناس أُمَّةً واحدة‏}‏ ولولا كراهة أن يجتمعوا على الكفر ويطبقوا عليه ‏{‏لَّجَعَلْنَا‏}‏ لحقارة الدنيا عندنا ‏{‏لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ وَلِبُيُوتِهِمْ أبوابا وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ وَزُخْرُفاً‏}‏ أي لجعلنا للكفار سقوفاً ومصاعد وأبواباً وسرراً كلها من فضة، وجعلنا لهم زخرفاً أي زينة من كل شيء‏.‏ والزخرف الذهب والزينة، ويجوز أن يكون الأصل سقفاً من فضة وزخرف أي بعضها من فضة وبعضها من ذهب فنصب عطفاً على محل ‏{‏مِن فِضَّةٍ‏}‏ لبيوتهم بدل اشتمال من ‏{‏لِمَن يَكْفُرُ‏}‏‏.‏ ‏{‏سَقْفاً‏}‏ على الجنس‏:‏ مكي وأبو عمرو ويزيد‏.‏ والمعارج جمع معرج وهي المصاعد إلى العلالي عليها يظهرون على المعارج يظهرون السطوح أي يعلونها ‏{‏وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا متاع الحياة الدنيا‏}‏ «إن» نافية و«لما» بمعنى إلا أي وما كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا، وقد قرئ به‏.‏ وقرأ ‏{‏لَمَا‏}‏ غير عاصم وحمزة على أن اللام هي الفارقة بين «إن» المخففة والنافية و«ما» صلة أي وإن كل ذلك متاع الحياة الدينا ‏{‏والآخرة‏}‏ أي ثواب الآخرة ‏{‏عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ‏}‏ لمن يتقي الشرك‏.‏

‏{‏وَمَن يَعْشُ‏}‏ وقرئ ‏{‏وَمَن يعش‏}‏ والفرق بينهما أنه إذا حصلت الآفة في بصره قيل عشى يعشى، وإذا نظر نظر العشي ولا آفة به قيل عشا يعشو‏.‏ ومعنى القراءة بالفتح ومن يعم ‏{‏عَن ذِكْرِ الرحمن‏}‏ وهو القرآن كقوله ‏{‏صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ‏}‏ ومعنى القراءة بالضم‏:‏ ومن يتعام عن ذكره أي يعرف أنه الحق وهو يتجاهل كقوله‏:‏ ‏{‏وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتها أَنفُسُهُمْ‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 14‏]‏ ‏{‏نُقَيّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ‏}‏ قال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ نسلطه عليه فهو معه في الدنيا والآخرة يحمله على المعاصي‏.‏ وفيه إشارة إلى أن من داوم عليه لم يقرنه الشيطان ‏{‏وَإِنَّهُمْ‏}‏ أي الشياطين ‏{‏لَيَصُدُّونَهُمْ‏}‏ ليمنعون العاشين ‏{‏عَنِ السبيل‏}‏ عن سبيل الهدى ‏{‏وَيَحْسَبُونَ‏}‏ أي العاشون ‏{‏أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ‏}‏ وإنما جمع ضمير ‏{‏من‏}‏ وضمير الشيطان لأن ‏{‏من‏}‏ مبهم في جنس العاشي وقد قيض له شيطان مبهم في جنسه فجاز أن يرجع الضمير إليهما مجموعاً ‏{‏حتى إِذَا جَآءَنَا‏}‏ على الواحد‏:‏ عراقي غير أبي بكر أي العاشي ‏{‏جاآنا‏}‏ غيرهم أي العاشي وقرينه ‏{‏قَالَ‏}‏ لشيطانه ‏{‏ياليت بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ المشرقين‏}‏ يريد المشرق والمغرب فغلب كما قيل‏:‏ العمران والقمران، والمراد بعد المشرق من المغرب والمغرب من المشرق ‏{‏فَبِئْسَ القرين‏}‏ أنت‏.‏

‏{‏وَلَن يَنفَعَكُمُ اليوم إِذ ظَّلَمْتُمْ‏}‏ إذ صح ظلمكم أي كفركم وتبين ولم يبق لكم ولا لأحد شبهة في أنكم كنتم ظالمين و«إذ» بدل من ‏{‏اليوم‏}‏ ‏{‏أَنَّكُمْ فِى العذاب مُشْتَرِكُونَ‏}‏ ‏{‏أَنَّكُمْ‏}‏ في محل الرفع على الفاعلية أي ولن ينفعكم اشتراككم في العذاب، أو كونكم مشتركين في العذاب كما كان عموم البلوى يطيب القلب في الدنيا كقول الخنساء‏:‏

ولولا كثرة الباكين حولي *** على إخوانهم لقتلت نفسي

ولا يبكون مثل أخي ولكن *** أعزي النفس عنه بالتأسي

أما هؤلاء فلا يؤسّيهم اشتراكهم ولا يروحهم لعظم ما هم فيه‏.‏ وقيل‏:‏ الفاعل مضمر أي ولن ينفعكم هذا التمني أو الاعتذار لأنكم في العذاب مشتركون لاشتراككم في سببه وهو الكفر، ويؤيده قراءة من قرأ ‏{‏إِنَّكُمْ‏}‏ بالكسر‏.‏

‏{‏أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصم‏}‏ أي من فقد سمع القبول ‏{‏أَوْ تَهْدِى العمى‏}‏ أي من فقد البصر ‏{‏وَمَن كَانَ فِى ضلال مُّبِينٍ‏}‏ ومن كان في علم الله أنه يموت على الضلال‏.‏

‏{‏فَإِمَّا‏}‏ دخلت «ما» على «إن» توكيداً للشرط، وكذا النون الثقيلة في ‏{‏نَذْهَبَنَّ بِكَ‏}‏ أي نتوفينك قبل أن ننصرك عليهم ونشفي صدور المؤمنين منهم ‏{‏فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ‏}‏ أشد الانتقام في الآخرة ‏{‏أَوْ نُرِيَنَّكَ الذى وعدناهم‏}‏ قبل أن نتوفاك يعني يوم بدر ‏{‏فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُّقْتَدِرُونَ‏}‏ قادرون وصفهم بشدة الشكيمة في الكفر والضلال بقوله ‏{‏أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصم‏}‏ الآية‏.‏ ثم أوعدهم بعذاب الدنيا والآخرة بقوله ‏{‏فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ‏}‏ الآيتين‏.‏ ‏{‏فاستمسك‏}‏ فتمسك ‏{‏بالذى أُوحِىَ إِلَيْكَ‏}‏ وهو القرآن واعمل به ‏{‏إِنَّكَ على صراط مُّسْتَقِيمٍ‏}‏ أي على الدين الذي لا عوج له ‏{‏وَإِنَّهُ‏}‏ وإن الذي أوحي إليك ‏{‏لَذِكْرٌ لَّكَ‏}‏ لشرف لك ‏{‏وَلِقَوْمِكَ‏}‏ ولأمتك ‏{‏وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ‏}‏ عنه يوم القيامة وعن قيامكم بحقه وعن تعظيمكم له وعن شكركم هذه النعمة ‏{‏وَسْئلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرحمن ءَالِهَةً يُعْبَدُونَ‏}‏ ليس المراد بسؤال الرسل حقيقة السؤال ولكنه مجاز عن النظر في أديانهم والفحص عن مللهم هل جاءت عبادة الأوثان قط في ملة من ملل الأنبياء، وكفاه نظراً وفحصاً نظره في كتاب الله المعجز المصدق لما بين يديه، وإخبار الله فيه بأنهم يعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطاناً، وهذه الآية في نفسها كافية لا حاجة إلى غيرها‏.‏ وقيل‏:‏ إنه عليه السلام جمع له الأنبياء ليلة الإسراء فأمهم، وقيل له‏:‏ سلهم فلم يشكك ولم يسأل‏.‏ وقيل‏:‏ معناه سل أمم من أرسل وهم أهل الكتابين أي التوراة والإنجيل، وإنما يخبرونه عن كتب الرسل فإذا سألهم فكأنه سأل الأنبياء، ومعنى هذا السؤال التقرير لعبدة الأوثان أنهم على الباطل‏.‏ و‏{‏سَلْ‏}‏ بلا همزة‏:‏ مكي وعلي ‏{‏رُسُلُنَا‏}‏ أبو عمرو‏.‏

ثم سلى رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله ‏{‏وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بئاياتنا إلى فِرْعَوْنَ وَمَلإَِيْهِ فَقَالَ إِنِّى رَسُولُ رَبِّ العالمين‏}‏ ما أجابوه به عند قوله ‏{‏إِنِّى رَسُولُ رَبِّ العالمين‏}‏ محذوف دل عليه قوله ‏{‏فَلَمَّا جَآءَهُم بئاياتنا‏}‏ وهو مطالبتهم إياه بإحضار البينة على دعواه وإبراز الآية ‏{‏إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ‏}‏ يسخرون منها ويهزءون بها ويسمونها سحراً‏.‏

و«إذا» للمفاجأة وهو جواب «فلما» لأن فعل المفاجأة معها مقدر وهو عامل النصب في محل «إذا» كأنه قيل‏:‏ فلما جاءهم بآياتنا فاجئوا وقت ضحكهم‏.‏

‏{‏وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ ءَايَةٍ إِلاَّ هِىَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا‏}‏ قرينتها وصاحبتها التي كانت قبلها في نقض العادة، وظاهر النظم يدل على أن اللاحقة أعظم من السابقة وليس كذلك بل المراد بهذا الكلام أنهن موصوفات بالكبر ولا يكدن يتفاوتن فيه وعليه كلام الناس‏.‏ يقال‏:‏ هما أخوان كل واحد منهما أكرم من الآخر ‏{‏وأخذناهم بالعذاب‏}‏ وهو ما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ أَخَذْنَا ءالَ فِرْعَوْنَ بالسنين وَنَقْصٍ مّن الثمرات‏}‏ ‏{‏فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطوفان‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 133‏]‏ الآية‏.‏ ‏{‏لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ‏}‏ عن الكفر إلى الإيمان ‏{‏وَقَالُواْ ياأيه الساحر‏}‏ كانوا يقولون للعالم الماهر ساحر لتعظيمهم علم السحر‏.‏ ‏{‏وَقَالُواْ ياأيه الساحر‏}‏ بضم الهاء بلا ألف‏:‏ شامي‏.‏ ووجهه أنها كانت مفتوحة لوقوعها قبل الألف فلما سقطت لالتقاء الساكنين اتبعت حركتها حركة ما قبلها ‏{‏ادع لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ‏}‏ بعهده عندك من أن دعوتك مستجابة، أو بعهده عندك وهو النبوة، أو بما عهد عندك من كشف العذاب عمن اهتدى ‏{‏إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ‏}‏ مؤمنون به‏.‏

‏{‏فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ العذاب إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ‏}‏ ينقضون العهد بالإيمان ولا يفون به ‏{‏ونادى فِرْعَوْنُ‏}‏ نادى بنفسه عظماء القبط أو أمر منادياً فنادى كقولك «قطع الأمير اللص» إذا أمر بقطعه ‏{‏فِى قَوْمِهِ‏}‏ جعلهم محلاً لندائه وموقعاً له ‏{‏قَالَ ياقوم أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وهذه الأنهار‏}‏ أي أنهار النيل ومعظمها أربعة ‏{‏تَجْرِى مِن تَحْتِى‏}‏ من تحت قصري‏.‏ وقيل‏:‏ بين يدي في جناني‏.‏ والواو عاطفة للأنهار على ‏{‏مُلْكُ مِصْرَ‏}‏ و‏{‏تَجْرِى‏}‏ نصب على الحال منها، أو الواو للحال واسم الإشارة مبتدأ، والأنهار صفة لاسم الإشارة، و‏{‏تَجْرِى‏}‏ خبر للمبدأ، وعن الرشيد أنه لما قرأها قال‏:‏ لأولينها أخس عبيدي فولاها الخصيب وكان خادمه على وضوئه، وعن عبد الله بن طاهر أنه وليها فخرج إليها فلما شارفها قال‏:‏ أهي القرية التي افتخر بها فرعون حتى قال ‏{‏أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ‏}‏ والله لهي أقل عندي من أن أدخلها فثني عنانه ‏{‏أَفلاَ تُبْصِرُونَ‏}‏ قوتي وضعف موسى وغناي وفقره‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏52- 70‏]‏

‏{‏أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ ‏(‏52‏)‏ فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ ‏(‏53‏)‏ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ‏(‏54‏)‏ فَلَمَّا آَسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ ‏(‏55‏)‏ فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآَخِرِينَ ‏(‏56‏)‏ وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ‏(‏57‏)‏ وَقَالُوا أَآَلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ‏(‏58‏)‏ إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ‏(‏59‏)‏ وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ ‏(‏60‏)‏ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ‏(‏61‏)‏ وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ‏(‏62‏)‏ وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ‏(‏63‏)‏ إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ‏(‏64‏)‏ فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ ‏(‏65‏)‏ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ‏(‏66‏)‏ الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ‏(‏67‏)‏ يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ‏(‏68‏)‏ الَّذِينَ آَمَنُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ ‏(‏69‏)‏ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ ‏(‏70‏)‏‏}‏

‏{‏أَمْ أَنَا خَيْرٌ‏}‏ «أم» منقطعة بمعنى «بل» والهمزة كأنه قال‏:‏ أثبت عندكم وأستقر أني أنا خير وهذه حالي‏؟‏ ‏{‏أمّن هذا الذى هُوَ مَهِينٌ‏}‏ ضعيف حقير ‏{‏وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ‏}‏ الكلام لما كان به من الرتة ‏{‏فَلَوْلآ‏}‏ فهلا ‏{‏أُلْقِىَ عَلَيْهِ أَسُوِرَةٌ‏}‏ حفص ويعقوب وسهل جمع سوار، غيرهم ‏{‏أساورة‏}‏ جمع أسورة وأساوير جمع أسوار وهو السوار، حذف الياء من أساوير وعوض منها التاء ‏{‏مِّن ذَهَبٍ‏}‏ أراد بإلقاء الأسورة عليه إلقاء مقاليد الملك إليه لأنهم كانوا إذا أرادوا تسويد الرجل سوروه بسوار وطوقوه بطوق من ذهب ‏{‏أَوْ جَآءَ مَعَهُ الملئكة مُقْتَرِنِينَ‏}‏ يمشون معه يقترن بعضهم ببعض ليكونوا أعضاده وأنصاره وأعوانه‏.‏

‏{‏فاستخف قَوْمَهُ‏}‏ استفزهم بالقول واستنزلهم وعمل فيهم كلامه‏.‏ وقيل‏:‏ طلب منهم الخفة في الطاعة وهي الإسراع ‏{‏فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فاسقين‏}‏ خارجين عن دين الله ‏{‏فَلَمَّا ءَاسَفُونَا انتقمنا مِنْهُمْ فأغرقناهم أَجْمَعِينَ‏}‏ «آسف» منقول من أسف أسفاً إذا اشتد غضبه ومعناه أنهم أفرطوا في المعاصي فاستوجبوا أن يعجل لهم عذابنا وانتقامنا وأن لا نحلم عنهم ‏{‏فجعلناهم سَلَفاً‏}‏ جمع سالف كخادم وخدم ‏{‏سُلُفاً‏}‏ حمزة وعلي، جمع سليف أي فريق قد سلف ‏{‏وَمَثَلاً‏}‏ وحديثاً عجيب الشأن سائراً مسير المثل يضرب بهم الأمثال ويقال مثلكم مثل قوم فرعون ‏{‏لّلآخِرِينَ‏}‏ لمن يجيء بعدهم، ومعناه فجعلناهم قدوة للآخرين من الكفار يقتدون بهم في استحقاق مثل عقابهم ونزوله بهم لإتيانهم بمثل أفعالهم ومثلاً يحدثون به‏.‏

‏{‏وَلَمَّا ضُرِبَ ابن مَرْيَمَ مَثَلاً‏}‏ لما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على قريش‏:‏ ‏{‏إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 98‏]‏ غضبوا فقال ابن الزبعري‏:‏ يا محمد أخاصة لنا ولآلهتنا أم لجميع الأمم‏؟‏ فقال عليه السلام‏:‏ ‏"‏ هو لكم ولآلهتكم‏.‏ ولجميع الأمم ‏"‏ فقال‏:‏ ألست تزعم أن عيسى بن مريم نبي وتثني عليه وعلى أمه خيراً‏؟‏ وقد علمت أن النصارى يعبدونهما وعزيز يعبد، والملائكة يعبدون‏.‏ فإن كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون نحن وءآلهتنا معهم ففرحوا وضحكوا، وسكت النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 101‏]‏ ونزلت هذه الآية‏.‏ والمعنى ولما ضرب ابن الزبعري عيسى بن مريم مثلاً لآلهتهم وجادل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبادة النصارى إياه ‏{‏إِذَا قَوْمُكَ‏}‏ قريش ‏{‏مِنْهُ‏}‏ من هذا المثل ‏{‏يَصِدُّونَ‏}‏ يرتفع لهم جلبة وضجيج فرحاً وضحكاً بما سمعوا منه من إسكات النبي صلى الله عليه وسلم بجدله، ‏{‏يَصدُونَ‏}‏ مدني وشامي والأعشى وعلي، من الصدود أي من أجل هذا المثل يصدون عن الحق ويعرضون عنه‏.‏ وقيل‏:‏ من الصديد وهو الجلبة وأنهما لغتان نحو يعكف ويعكف ‏{‏وَقَالُوآ ءَالِهَتِنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ‏}‏ يعنون أن آلهتنا عندك ليست بخير من عيسى، فإذا كان عيسى من حصب النار كان أمر آلهتنا هينا ‏{‏مَا ضَرَبُوهُ‏}‏ أي ما ضربوا هذا المثل ‏{‏لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ‏}‏ إلا لأجل الجدل والغلبة في القول لا لطلب الميز بين الحق والباطل‏.‏

‏{‏بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ‏}‏ لد شداد الخصومة دأبهم اللجاج وذلك أن قوله تعالى ‏{‏إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ‏}‏ لم يرد به إلا الأصنام لأن ما لغير العقلان إلا أن ابن الزبعري بخداعه لما رأى كلام الله محتملاً لفظه وجه العموم مع علمه بأن المراد به أصنامهم لا غير، وجد للحيلة مساغاً فصرف اللفظ إلى الشمول والإحاطة بكل معبود غير الله على طريق اللجاج والجدال وحب المغالبة والمكابرة وتوقح في ذلك فتوقر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أجاب عنه ربه ‏{‏إِنْ هُوَ‏}‏ ما عيسى ‏{‏إِلاَّ عَبْدٌ‏}‏ كسائر العبيد ‏{‏أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ‏}‏ بالنبوة ‏{‏وجعلناه مَثَلاً لِّبَنِى إسراءيل‏}‏ وصيرناه عبرة عجيبة كالمثل السائر لبني إسرائيل ‏{‏وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلَئِكَةً فِى الأرض‏}‏ أي بدلاً منكم كذا قاله الزجاج‏.‏ وقال جامع العلوم‏:‏ لجعلنا بدلكم و«من» بمعنى البدل ‏{‏يَخْلُفُونَ‏}‏ يخلفونكم في الأرض أو يخلف الملائكة بعضهم بعضاً‏.‏ وقيل‏:‏ ولو نشاء لقدرتنا على عجائب الأمور لجعلنا منكم، لولّدنا منكم يا رجال ملائكة يخلفونكم في الأرض كما يخلفكم أولادكم كما ولّدنا عيسى من أنثى من غير فحل، لتعرفوا تميزنا بالقدرة الباهرة، ولتعلموا أن الملائكة أجساد لا تتولد إلا من أجسام والقديم متعالٍ عن ذلك‏.‏

‏{‏وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ‏}‏ وإن عيسى مما يعلم به مجيء الساعة‏.‏ وقرأ ابن عباس ‏{‏لعلم للساعة‏}‏ وهو العلامة أي وإن نزوله علم للساعة ‏{‏فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا‏}‏ فلا تشكن فيها من المرية وهو الشك ‏{‏واتبعون‏}‏ وبالياء فيهما‏:‏ سهل ويعقوب أي واتبعوا هداي وشرعي أو رسولي أو هو أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقوله ‏{‏هذا صراط مُّسْتَقِيمٌ‏}‏ أي هذا الذي أدعوكم إليه ‏{‏وَلاَ يَصُدَّنَّكُمُ الشيطان‏}‏ عن الإيمان بالساعة أو عن الاتباع ‏{‏إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ‏}‏ ظاهر العداوة إذ أخرج أباكم من الجنة ونزع عنه لباس النور‏.‏

‏{‏وَلَمَّا جَآءَ عيسى بالبينات‏}‏ بالمعجزات أو بآيات الإنجيل والشرائع البينات الواضحات ‏{‏قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بالحكمة‏}‏ أي الإنجيل والشرائع ‏{‏وَلابَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الذى تَخْتَلِفُونَ فِيهِ‏}‏ وهو أمر الدين لا أمر الدنيا ‏{‏فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ إِنَّ الله هُوَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فاعبدوه هذا صراط مُّسْتَقِيمٌ‏}‏ هذا تمام كلام عيسى عليه السلام‏.‏ ‏{‏فاختلف الأحزاب‏}‏ الفرق المتحزبة بعد عيسى وهم‏:‏ اليعقوبية والنسطورية والملكانية والشمعونية ‏{‏مِن بَيْنِهِمْ‏}‏ من بين النصارى ‏{‏فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ‏}‏ حيث قالوا في عيسى ما كفروا به ‏{‏مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ‏}‏ وهو يوم القيامة ‏{‏هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ الساعة‏}‏ الضمير لقوم عيسى أو للكفار ‏{‏أَن تَأْتِيَهُم‏}‏ بدل من ‏{‏الساعة‏}‏ أي هل ينظرون إلا إتيان الساعة ‏{‏بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ‏}‏ أي وهم غافلون لاشتغالهم بأمور دنياهم كقوله

‏{‏تَأُخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصّمُونَ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 49‏]‏ ‏{‏الأخلاء‏}‏ جمع خليل ‏{‏يَوْمَئِذٍ‏}‏ يوم القيامة ‏{‏بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين‏}‏ أي المؤمنين‏.‏ وانتصاب ‏{‏يَوْمَئِذٍ‏}‏ ب ‏{‏عَدُوٌّ‏}‏ أي تنقطع في ذلك اليوم كل خلة بين المتخالين في غير ذات الله وتنقلب عداوة ومقتاً إلا خلة المتصادقين في الله فإنها الخلة الباقية ‏{‏ياعباد‏}‏ بالياء في الوصل والوقف‏:‏ مدني وشامي وأبو عمرو، وبفتح الياء‏:‏ أبو بكر‏.‏ الباقون‏:‏ بحذف الياء ‏{‏لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليوم وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ‏}‏ هو حكاية لما ينادى به المتقون المتحابون في الله يومئذ ‏{‏الذين‏}‏ منصوب المحل على صفة لعبادي لأنه منادى مضاف ‏{‏ءَامَنُواْ بئاياتنا‏}‏ صدقوا بآياتنا ‏{‏وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ‏}‏ لله منقادين له ‏{‏ادخلوا الجنة أَنتُمْ وأزواجكم‏}‏ المؤمنات في الدنيا ‏{‏تُحْبَرُونَ‏}‏ تسرون سروراً يظهر حباره أي أثره على وجوهكم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏71- 89‏]‏

‏{‏يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ‏(‏71‏)‏ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ‏(‏72‏)‏ لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ ‏(‏73‏)‏ إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ‏(‏74‏)‏ لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ‏(‏75‏)‏ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ ‏(‏76‏)‏ وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ ‏(‏77‏)‏ لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ‏(‏78‏)‏ أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ‏(‏79‏)‏ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ‏(‏80‏)‏ قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ ‏(‏81‏)‏ سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ‏(‏82‏)‏ فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ‏(‏83‏)‏ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ‏(‏84‏)‏ وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ‏(‏85‏)‏ وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ‏(‏86‏)‏ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ‏(‏87‏)‏ وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ ‏(‏88‏)‏ فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ‏(‏89‏)‏‏}‏

‏{‏يُطَافُ عَلَيْهِمْ بصحاف‏}‏ جمع صفحة ‏{‏مِّن ذَهَبٍ وأكواب‏}‏ أي من ذهب أيضاً والكوب الكوز لا عروة له ‏{‏وَفِيهَا‏}‏ في الجنة ‏{‏مَا تَشْتَهِيهِ الأنفس‏}‏ مدني وشامي وحفص بإثبات الهاء العائدة إلى الموصول، وحذفها غيرهم لطول الموصول بالفعل والفاعل والمفعول‏.‏ و‏{‏وَتَلَذُّ الأعين‏}‏ وهذا حصر لأنواع النعم لأنها إما مشتهيات في القلوب أو مستلذة في العيون ‏{‏وَأَنتُمْ فِيهَا خالدون وَتِلْكَ الجنة التى أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ‏}‏ ‏{‏تِلْكَ‏}‏ إشارة إلى الجنة المذكورة وهي مبتدأ و‏{‏الجنة‏}‏ خبر و‏{‏التى أُورِثْتُمُوهَا‏}‏ صفة الجنة، أو ‏{‏الجنة‏}‏ صفة للمبتدأ الذي هو اسم الإشارة و‏{‏التى أُورِثْتُمُوهَا‏}‏ خبر المبتدأ، أو ‏{‏التى أُورِثْتُمُوهَا‏}‏ صفة المبتدأ و‏{‏بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏}‏ الخبر، والباء تتعلق بمحذوف أي حاصلة أو كائنة كما في الظروف التي تقع أخباراً، وفي الوجه الأول تتعلق ب ‏{‏أُورِثْتُمُوهَا‏}‏ وشبهت في بقائها على أهلها بالميراث الباقي على الورثة ‏{‏لَكُمْ فِيهَا فاكهة كَثِيرَةٌ مِّنْهَا تَأْكُلُونَ‏}‏ «من» للتبعيض أي لا تأكلون إلا بعضها وأعقابها باقية في شجرها فهي مزينة بالثمار أبداً، وفي الحديث «لا ينزع رجل في الجنة من ثمرها إلا نبت مكانها مثلاها»‏.‏

‏{‏إِنَّ المجرمين فِى عَذَابِ جَهَنَّمَ خالدون‏}‏ خبر بعد خبر ‏{‏لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ‏}‏ خبر آخر أي لا يخفف ولا ينقص ‏{‏وَهُمْ فِيهِ‏}‏ في العذاب ‏{‏مُّبْلِسُونَ‏}‏ آيسون من الفرج متحيرون ‏{‏وَمَا ظلمناهم‏}‏ بالعذاب ‏{‏ولكن كَانُواْ هُمُ الظالمين‏}‏ هم فصل ‏{‏وَنَادَوْاْ يامالك‏}‏ لما آيسوا من فتور العذاب نادروا يا مالك وهو خازن النار‏.‏ وقيل لابن عباس‏:‏ إن ابن مسعود قرأ «يا مال» فقال‏:‏ ما أشغل أهل النار عن الترخيم ‏{‏لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ‏}‏ ليمتنامن قضى عليه إذا أماته ‏{‏فَوَكَزَهُ موسى فقضى عَلَيْهِ‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 15‏]‏ والمعنى سل ربك أن يقضي علينا ‏{‏قَالَ إِنَّكُمْ ماكثون‏}‏ لا بثون في العذاب لا تتخلصون عنه بموت ولا فتور ‏{‏لَقَدْ جئناكم بالحق‏}‏ كلام الله تعالى‏.‏ ويجب أن يكون في ‏{‏قَالَ‏}‏ ضمير الله لما سألوا مالكاً أن يسأل القضاء عليهم أجابهم الله بذلك‏.‏ وقيل‏:‏ هو متصل بكلام مالك والمراد بقوله جئناكم الملائكة إذ هم رسل الله وهو منهم ‏{‏ولكن أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارهون‏}‏ لا تقبلونه وتنفرون منه لأن مع الباطل الدعة ومع الحق التعب‏.‏

‏{‏أَمْ أَبْرَمُواْ أَمْراً‏}‏ أم أحكم مشركو مكة أمراً من كيدهم ومكرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ‏{‏فَإِنَّا مُبْرِمُونَ‏}‏ كيدنا كما أبرموا كيدهم وكانوا يتنادون فيتناجون في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الندوة ‏{‏أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ‏}‏ حديث أنفسهم ‏{‏ونجواهم‏}‏ ما يتحدثون فيما ببينهم ويخفونه عن غيرهم ‏{‏بلى‏}‏ نسمعها ونطلع عليها ‏{‏وَرُسُلُنَا‏}‏ أي الحفظة ‏{‏لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ‏}‏ عندهم يكتبون ذلك، وعن يحيى بن معاذ‏:‏ من ستر من الناس عيوبه وأبداها لمن لا تخفى عليه خافية فقد جعله أهون الناظرين إليه وهو من أمارات النفاق‏.‏

‏{‏قُلْ إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ‏}‏ وصح ذلك ببرهان ‏{‏فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين‏}‏ فأنا أول من يعظم ذلك الولد وأسبقكم إلى طاعته والانقياد إليه كما يعظم الرجل ولد الملك لتعظيم أبيه، وهذا كلام وارد على سبيل الفرض والمراد نفي الولد، وذلك أنه علق العبادة بكينونة الولد وهي محال في نفسها فكان المعلق بها محالاً مثلها، ونظيره قول سعيد بن جبير للحجاج حين قال له‏:‏ والله لأبدلنك بالدنيا ناراً تلظى‏:‏ لو عرفت أن ذلك إليك ما عبدت إلهاً غيرك‏.‏ وقيل‏:‏ إن كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا أول العابدين أي الموحدين لله المكذبين قولكم بإضافة الولد إليه‏.‏ وقيل؛ إن كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا أول الآنفين من أن يكون له ولد، من عبد يعبد إذا اشتد أنفه فهو عبد وعابد‏.‏ وقرئ ‏{‏العبدين‏}‏ وقيل‏:‏ هي «إن» النافية أي ما كان للرحمن ولد فأنا أول من قال بذلك وعبد ووحد‏.‏ ورُوي أن النضر قال‏:‏ الملائكة بنات الله فنزلت‏:‏ فقال النضر‏:‏ ألا ترون أنه صدقني فقال له الوليد‏:‏ ما صدقك ولكن قال ما كان للرحمن ولد فأنا أو الموحدين من أهل مكة أن لا ولد له‏.‏ ‏{‏وُلْد‏}‏ حمزة وعلي‏.‏ ثم نزه ذاته على اتخاذ الولد فقال ‏{‏سبحان رَبِّ السماوات والأرض رَبِّ العرش عَمَّا يَصِفُونَ‏}‏ أي هو رب السماوات والأرض والعرش فلا يكون جسماً إذ لو كان جسماً لم يقدر على خلقها، وإذا لم يكن جسماً لا يكون له ولد لأن التولد من صفة الأجسام ‏{‏فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ‏}‏ في باطلهم ‏{‏وَيَلْعَبُواْ‏}‏ في دنياهم ‏{‏حتى يلاقوا يَوْمَهُمُ الذى يُوعَدُونَ‏}‏ أي القيامة، وهذا دليل على أن ما يقولونه من باب الجهل والخوض واللعب‏.‏

‏{‏وَهُوَ الذى فِى السمآء إله وَفِى الأرض إله‏}‏ ضمن اسمه تعالى معنى وصف فلذلك علق به الظرف في قوله ‏{‏فِى السماء‏}‏ ‏{‏وَفِى الأرض‏}‏ كما تقول‏:‏ هو حاتم في طيّ وحاتم في تغلب‏.‏ على تضمين معنى الجواد الذي شهر به كأنك قلت‏:‏ هو جواد في طيّ جواد في تغلب‏.‏ وقرئ ‏{‏وهو الذي فى السماء الله وفى الأرض الله‏}‏ ومثله قوله ‏{‏وَهُوَ الله فِى السماوات وَفِى الأرض‏}‏ فكأنه ضمن معنى المعبود‏.‏ والراجع إلى الموصول محذوف لطول الكلام كقولهم «ما أنا بالذي قائل لك شيئاً» والتقدير‏:‏ وهو الذي هو في السماء إله‏.‏ و‏{‏إِلَه‏}‏ يرتفع على أنه خبر مبتدأ مضمر ولا يرتفع ‏{‏إِلَه‏}‏ بالابتداء وخبره ‏{‏فِى السماء‏}‏ لخلو الصلة حينئذ من عائد يعود إلى الموصول ‏{‏وَهُوَ الحكيم‏}‏ في أقواله وأفعاله ‏{‏العليم‏}‏ بما كان ويكون ‏{‏وَتَبَارَكَ الذى لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ عِلْمُ الساعة‏}‏ أي علم قيامها ‏{‏وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏}‏ ‏{‏يَرْجِعُونَ‏}‏‏:‏ مكي وحمزة وعلي ‏{‏وَلاَ يَمْلِكُ‏}‏ آلهتهم ‏{‏الذين يَدْعُونَ‏}‏ أي يدعونهم ‏{‏مِن دُونِهِ‏}‏ من دون الله ‏{‏الشفاعة‏}‏ كما زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله ‏{‏إِلاَّ مَن شَهِدَ بالحق‏}‏ أي ولكن من شهد بالحق بكلمة التوحيد ‏{‏وَهُمْ يَعْلَمُونَ‏}‏ أن الله ربهم حقاً ويعتقدون ذلك هو الذي يملك الشفاعة، وهو استثناء منقطع أو متصل لأن في جملة الذين يدعون من دون الله الملائكة ‏{‏وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ‏}‏ أي المشركين ‏{‏مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله‏}‏ لا الأصنام والملائكة ‏{‏فأنى يُؤْفَكُونَ‏}‏ فكيف أو من أين يصرفون عن التوحيد مع هذا الإقرار

‏{‏وَقِيلِهِ‏}‏ بالجر‏:‏ عاصم وحمزة أي وعنده علم الساعة وعلم قيله ‏{‏يارب‏}‏ والهاء يعود إلى محمد صلى الله عليه وسلم لتقدم ذكره في قوله‏:‏ ‏{‏قُلْ إِن كَانَ للرحمن فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين‏}‏‏.‏

وبالنصب‏:‏ الباقون عطفاً على محل ‏{‏الساعة‏}‏ أي يعلم الساعة ويعلم قيله أي قيل محمد يا رب‏.‏ والقيل والقول والمقال واحد، ويجوز أن يكون الجر والنصب على إضمار حرف القسم وحذفه‏.‏ وجواب القسم ‏{‏إِنَّ هَؤُلآءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ‏}‏ كأنه قيل‏:‏ وأقسم بقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون، وإقسام الله بقيله رفع منه وتعظيم لدعائه والتجائه إليه ‏{‏فاصفح عَنْهُمْ‏}‏ فأعرض عن دعوتهم يائساً عن إيمانهم وودعهم وتاركهم و‏{‏وَقُلْ‏}‏ لهم ‏{‏سلام‏}‏ أي تسلم منكم ومتاركة ‏{‏فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ‏}‏ وعيد من الله لهم وتسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وبالتاء‏:‏ مدني وشامي‏.‏

سورة الدخان

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 21‏]‏

‏{‏حم ‏(‏1‏)‏ وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ ‏(‏2‏)‏ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ ‏(‏3‏)‏ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ‏(‏4‏)‏ أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ‏(‏5‏)‏ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ‏(‏6‏)‏ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ‏(‏7‏)‏ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ‏(‏8‏)‏ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ ‏(‏9‏)‏ فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ ‏(‏10‏)‏ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏11‏)‏ رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ ‏(‏12‏)‏ أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ ‏(‏13‏)‏ ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ ‏(‏14‏)‏ إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ ‏(‏15‏)‏ يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ ‏(‏16‏)‏ وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ ‏(‏17‏)‏ أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ‏(‏18‏)‏ وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آَتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ‏(‏19‏)‏ وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ ‏(‏20‏)‏ وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ ‏(‏21‏)‏‏}‏

في الخبر «من قرأها ليلة جمعة أصبح مغفوراً له»‏.‏ ‏{‏حم والكتاب المبين‏}‏ أي القرآن‏.‏ الواو في ‏{‏والكتاب‏}‏ واو القسم‏.‏ إن جعلت ‏{‏حم‏}‏ تعديداً للحروف، أو اسماً للسورة مرفوعاً على خبر الابتداء المحذوف، وواو العطف إن كانت ‏{‏حم‏}‏ مقسماً بها وجواب القسم ‏{‏إِنَّآ أنزلناه فِى لَيْلَةٍ مباركة‏}‏ أي ليلة القدر أو ليلة النصف من شعبان‏.‏ وقيل‏:‏ بينها وبين ليلة القدر أربعون ليلة‏.‏ والجمهور على الأول لقوله ‏{‏إِنَّا أنزلناه فِى لَيْلَةِ القدر‏}‏ ‏[‏القدر‏:‏ 1‏]‏ وقوله ‏{‏شَهْرُ رَمَضَانَ الذى أُنزِلَ فِيهِ القرآن‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 185‏]‏ وليلة القدر في أكثر الأقاويل في شهر رمضان‏.‏ ثم قالوا‏:‏ أنزله جملة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ثم نزل به جبريل في وقت وقوع الحاجة إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقيل‏:‏ ابتداء نزوله في ليلة القدر‏.‏ والمباركة الكثيرة الخير لما ينزل فيها من الخير والبركة ويستجاب من الدعاء ولو لم يوجد فيها إلا إنزال القرآن وحده لكفى به بركة ‏{‏إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ‏}‏ هما جملتان مستأنفتان ملفوفتان فسر بهما جواب القسم كأنه قيل‏:‏ أنزلناه لأن من شأننا الإنذار والتحذير من العقاب وكان إنزالنا إياه في هذه الليلة خصوصاً، لأن إنزال القرآن من الأمور الحكمية وهذه الليلة مفرق كل أمر حكيم‏.‏ ومعنى ‏{‏يُفْرَقُ‏}‏ يفصل ويكتب كل أمر من أرزاق العباد وآجالهم وجميع أمورهم من هذه الليلة إلى ليلة القدر التي تجيء في السنة المقبلة ‏{‏حَكِيمٍ‏}‏ ذي حكمة أي مفعول على ما تقتضيه الحكمة، وهو من الإسناد المجازي لأن الحكيم صفة صاحب الأمر على الحقيقة ووصف الأمر به مجازاً‏.‏

‏{‏أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَا‏}‏ نصب على الاختصاص جعل كل أمر جزلاً فخماً بأن وصفه بالحكيم، ثم زاده جزالة وفخامة بأن قال‏:‏ أعني بهذا الأمر أمراً حاصلاً من عندنا كما اقتضاه علمنا وتدبيرنا ‏{‏إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ‏}‏ بدل من ‏{‏إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ‏}‏ ‏{‏رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ‏}‏ مفعول له على معنى أنزلنا القرآن‏.‏ لأن من شأننا وعادتنا إرسال الرسل بالكتب إلى عبادنا لأجل الرحمة عليهم، أو تعليل لقوله ‏{‏أَمْراً مّنْ عِنْدِنَا‏}‏، و‏{‏رَحْمَةً‏}‏ مفعول به‏.‏ وقد وصف الرحمة بالإرسال كما وصفها به في قوله ‏{‏وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 2‏]‏ والأصل إنا كنا مرسلين رحمة منا فوضع الظاهر موضع الضمير إيذاناً بأن الربوبية تقتضي الرحمة على المربوبين ‏{‏إِنَّهُ هُوَ السميع‏}‏ لأقوالهم ‏{‏العليم‏}‏ بأحوالهم ‏{‏رَبِّ‏}‏ كوفي بدل من ‏{‏رَبَّكَ‏}‏ وغيرهم بالرفع أي هو ربٌ ‏{‏السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ‏}‏ ومعنى الشرط أنهم كانوا يقرون بأن للسموات والأرض رباً وخالقاً فقيل لهم‏:‏ إن إرسال الرسل وإنزال الكتب رحمة من الرب، ثم قيل‏:‏ إن هذا الرب هو السميع العليم الذي أنتم مقرّون به ومعترفون بأنه رب السماوات والأرض وما بينهما إن كان إقراركم عن علم وإيقان كما تقول‏:‏ إن هذا إنعام زيد الذي تسامع الناس بكرمه إن بلغك حديثه وحدثت بقصته ‏{‏لآ إله إِلاَّ هُوَ يُحْيِى وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ‏}‏ أي هو ربكم ‏{‏وَرَبُّ ءَابَائِكُمُ الأولين‏}‏ عطف عليه‏.‏

ثم رد أن يكونوا موقنين بقوله ‏{‏بَلْ هُمْ فِى شَكّ يَلْعَبُونَ‏}‏ وإن إقرارهم غير صادر عن علم وتيقن بل قول مخلوط بهزؤ ولعب ‏{‏فارتقب‏}‏ فانتظر ‏{‏يَوْمَ تَأْتِى السماء بِدُخَانٍ‏}‏ يأتي من السماء قبل يوم القيامة يدخل في أسماع الكفرة حتى يكون رأس الواحد كالرأس الحنيذ، ويعتري المؤمن منه كهيئة الزكام وتكون الأرض كلها كبيت أوقد فيه ليس فيه خصاص‏.‏ وقيل‏:‏ إن قريشاً لما استعصت على رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عليهم فقال‏:‏ ‏"‏ اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف ‏"‏ فأصابهم الجهد حتى أكلوا الجيف والعلهز، وكان الرجل يرى بين السماء والأرض الدخان وكان يحدث الرجل فيسمع كلامه ولا يراه من الدخان ‏{‏مُّبِينٍ‏}‏ ظاهر حاله لا يشك أحد في أنه دخان ‏{‏يَغْشَى الناس‏}‏ يشملهم ويلبسهم وهو في محل الجر صفة ل ‏{‏دُخَان‏}‏ وقوله ‏{‏هذا عَذَابٌ أَلِيمٌ رَبَّنا اكشف عَنَّا العذاب إِنَّا مْؤْمِنُونَ‏}‏ أي سنؤمن إن تكشف عنا العذاب منصوب المحل بفعل مضمر وهو يقولون ويقولون منصوب المحل على الحال أي قائلين ذلك ‏{‏أنى لَهُمُ الذكرى‏}‏ كيف يذكرون ويتعظون ويفون بما وعدوه من الإيمان عند كشف العذاب ‏{‏وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ ثُمَّ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ‏}‏ أي وقد جاءهم ما هو أعظم وأدخل في وجوب الاذّكار من كشف الدخان، وهو ما ظهر على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الآيات والبينات من الكتاب المعجز وغيره فلم يذكروا وتولوا عنه وبهتوه بأن عدّاساً غلاماً أعجمياً لبعض ثقيف هو الذي علمه ونسبوه إلى الجنون ‏{‏إِنَّا كَاشِفُواْ العذاب قَلِيلاً‏}‏ زماناً قليلاً أو كشفاً قليلاً ‏{‏إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ‏}‏ إلى الكفر الذي كنتم فيه أو إلى العذاب ‏{‏يَوْمَ نَبْطِشُ البطشة الكبرى‏}‏ هي يوم القيامة أو يوم بدر ‏{‏إِنَّا مُنتَقِمُونَ‏}‏ أي ننتقم منهم في ذلك اليوم‏.‏ وانتصاب ‏{‏يَوْمَ نَبْطِشُ‏}‏ ب «اذكر» أو بما دل عليه ‏{‏إِنَّا مُنتَقِمُونَ‏}‏ وهو ننتقم لا ب ‏{‏مُنتَقِمُونَ‏}‏ لأن ما بعد إن لا يعمل فيما قبلها‏.‏ ‏{‏وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ‏}‏ قبل هؤلاء المشركين أي فعلنا بهم فعل المختبر ليظهر منهم ما كان باطناً ‏{‏قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ‏}‏ على الله وعلى عباده المؤمنين، أو كريم في نفسه حسيب نسيب لأن الله تعالى لم يبعث نبياً إلا من سراة قومه وكرامهم ‏{‏أَنْ أَدُّوآ إِلَىَّ‏}‏ هي «أن» المفسرة لأن مجيء الرسول إلى من بعث إليهم متضمن لمعنى القول لأنه لا يجيئهم إلا مبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله، أو المخففة من الثقيلة ومعناه وجاءهم بأن الشأن والحديث أدوا إليَّ سلِّموا إلي ‏{‏عِبَادَ الله‏}‏ هو مفعول به وهم بنو إسرائيل يقول‏:‏ أدوهم إلي وأرسلوهم معي كقوله‏:‏

‏{‏فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إسراءيل وَلاَ تُعَذّبْهُمْ‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 47‏]‏‏.‏ ويجوز أن يكون نداء لهم على معنى أدوا إلي يا عباد الله ما هو واجب لي عليكم من الإيمان لي وقبول دعوتي واتباع سبيلي، وعلل ذلك بقوله ‏{‏إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ‏}‏ أي على رسالتي غير متهم ‏{‏وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى الله‏}‏ «أن» هذه مثل الأولى في وجهيها أي لا تستكبروا على الله بالاستهانة برسوله ووحيه، أو لا تستكبروا على نبي الله ‏{‏أَنِّى ءَاتِيكُم بسلطان مُّبِينٍ‏}‏ بحجة واضحة تدل على أني نبي ‏{‏وَإِنِّى عُذْتُ‏}‏ مدغم‏:‏ أبو عمرو وحمزة وعلي ‏{‏بِرَبِّى وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ‏}‏ أن تقتلوني رجماً ومعناه أنه عائذ بربه متكل على أنه يعصمه منهم ومن كيدهم فهو غير مبالٍ بما كانوا يتوعدونه من الرجم والقتل ‏{‏وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِى فاعتزلون‏}‏ أي إن لم تؤمنوا لي فلا موالاة بيني وبين من لا يؤمن فتنحوا عني، أو فخلوني كفافاً لا لي ولا عليَّ ولا تتعرضوا لي بشركم وأذاكم، فليس جزاء من دعاكم إلى ما فيه فلا حكم ذلك‏.‏ ‏{‏ترجموني‏}‏، ‏{‏فاعتزلوني‏}‏ في الحالين‏:‏ يعقوب‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏22- 59‏]‏

‏{‏فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ ‏(‏22‏)‏ فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ‏(‏23‏)‏ وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ ‏(‏24‏)‏ كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ‏(‏25‏)‏ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ‏(‏26‏)‏ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ ‏(‏27‏)‏ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آَخَرِينَ ‏(‏28‏)‏ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ ‏(‏29‏)‏ وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ ‏(‏30‏)‏ مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ ‏(‏31‏)‏ وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ‏(‏32‏)‏ وَآَتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآَيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ ‏(‏33‏)‏ إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ ‏(‏34‏)‏ إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ ‏(‏35‏)‏ فَأْتُوا بِآَبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏36‏)‏ أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ ‏(‏37‏)‏ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ‏(‏38‏)‏ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏39‏)‏ إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ ‏(‏40‏)‏ يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ‏(‏41‏)‏ إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ‏(‏42‏)‏ إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ ‏(‏43‏)‏ طَعَامُ الْأَثِيمِ ‏(‏44‏)‏ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ ‏(‏45‏)‏ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ ‏(‏46‏)‏ خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ ‏(‏47‏)‏ ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ ‏(‏48‏)‏ ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ‏(‏49‏)‏ إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ ‏(‏50‏)‏ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ ‏(‏51‏)‏ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ‏(‏52‏)‏ يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ ‏(‏53‏)‏ كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ ‏(‏54‏)‏ يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آَمِنِينَ ‏(‏55‏)‏ لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ‏(‏56‏)‏ فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ‏(‏57‏)‏ فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ‏(‏58‏)‏ فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ ‏(‏59‏)‏‏}‏

‏{‏فَدَعَا رَبَّهُ‏}‏ شاكياً قومه ‏{‏أَنَّ هَؤُلآءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ‏}‏ بأن هؤلاء أي دعا ربه بذلك‏.‏ قيل‏:‏ كان دعاؤه‏:‏ اللهم عجل لهم ما يستحقونه بإجرامهم‏.‏ وقيل‏:‏ هو قوله ‏{‏رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لّلْقَوْمِ الظالمين‏}‏ وقرئ ‏{‏إِنَّ هَؤُلآء‏}‏ بالكسر على إضمار القول أي فدعا ربه فقال إن هؤلاء ‏{‏فَأَسْرِ‏}‏ من أسرى‏.‏ ‏{‏فَأَسْرِ‏}‏ بالوصل‏:‏ حجازي من سرى والقول مضمر بعد الفاء أي فقال أسر ‏{‏بِعِبَادِى‏}‏ أي بني إسرائيل ‏{‏لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ‏}‏ أي دبر الله أن تتقدموا ويتبعكم فرعون وجنوده فينجي المتقدمين ويغرق التابعين ‏{‏واترك البحر رَهْواً‏}‏ ساكناً‏.‏ أراد موسى عليه السلام لما جاوز البحر أن يضربه بعصاه فينطبق فأمر بأن يتركه ساكناً على هيئته قاراً على حاله من انتصاب الماء وكون الطريق يبساً لا يضربه بعصاه ولا يغير منه شيئاً ليدخله القبط، فإذا حصلوا فيه أطبقه الله عليهم‏.‏ وقيل‏:‏ الرهو‏:‏ الفجوة الواسعة أي اتركه مفتوحاً على حاله منفرجاً ‏{‏إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ‏}‏ بعد خروجكم من البحر، وقرئ بالفتح أي لأنهم‏.‏ ‏{‏كَمْ‏}‏ عبارة عن الكثرة منصوب بقوله‏:‏ ‏{‏تَرَكُواْ مِن جنات وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ‏}‏ هو ما كان لهم من المنازل الحسنة وقيل‏:‏ المنابر ‏{‏وَنَعْمَةٍ‏}‏ تنعم ‏{‏كَانُواْ فِيهَا فاكهين‏}‏ متنعمين ‏{‏كذلك‏}‏ أي الأمر كذلك فالكاف في موضع الرفع على أنه خبر مبتدأ مضمر ‏{‏وأورثناها قَوْماً ءَاخَرينَ‏}‏ ليسوا منهم في شيء من قرابة ولا دين ولا ولاء وهم بنو إسرائيل ‏{‏فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السمآء والأرض‏}‏ لأنهم ماتوا كفاراً، والمؤمن إذا مات تبكي عليه السماء والأرض فيبكي على المؤمن من الأرض مصلاه ومن السماء مصعد عمله، وعن الحسن‏:‏ أهل السماء والأرض ‏{‏وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ‏}‏ أي لم ينظروا إلى وقت آخر ولم يمهلوا‏.‏

‏{‏وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِى إسراءيل مِنَ العذاب المهين‏}‏ أي الاستخدام والاستعباد وقتل الأولاد ‏{‏مِن فِرْعَوْنَ‏}‏ بدل من ‏{‏العذاب المهين‏}‏ بإعادة الجار كأنه في نفسه كان عذاباً مهيناً لإفراطه في تعذيبهم وإهانتهم، أو خبر مبتدأ محذوف أي ذلك من فرعون ‏{‏إِنَّهُ كَانَ عَالِياً‏}‏ متكبراً ‏{‏مِّنَ المسرفين‏}‏ خبر ثانٍ أي كان متكبراً مسرفاً ‏{‏وَلَقَدِ اخترناهم‏}‏ أي بني إسرائيل ‏{‏على عِلْمٍ‏}‏ حال من ضمير الفاعل أي عالمين بمكان الخيرة وبأنهم أحقاء بأن يختاروا ‏{‏عَلَى العالمين‏}‏ على عالمي زمانهم ‏{‏وءاتيناهم مِنَ الأيات‏}‏ كفلق البحر وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى وغير ذلك ‏{‏مَا فِيهِ بَلَؤٌاْ مُّبِينٌ‏}‏ نعمة ظاهرة أو اختبار ظاهر لننظر كيف يعملون ‏{‏إِنَّ هَؤُلآءِ‏}‏ يعني كفار قريش ‏{‏لَيَقُولُونَ إِنْ هِىَ‏}‏ ما الموتة ‏{‏إِلاَّ مَوْتَتَنَا الأولى‏}‏ والإشكال أن الكلام وقع في الحياة الثانية لا في الموت، فهلا قيل‏:‏ إن هي إلا حياتنا الأولى‏؟‏ وما معنى ذكر الأولى كأنهم وعدوا موتة أخرى حتى جحدوها وأثبتوا الأولى‏؟‏ والجواب أنه قيل لهم إنكم تموتون موتة تتعقبها حياة كما تقدمتكم موتة قد تعقبتها حياة وذلك قول تعالى‏:‏

‏{‏وَكُنتُمْ أمواتا فأحياكم ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 28‏]‏ فقالوا‏:‏ إن هي إلا موتتنا الأولى يريدون ما الموتة التي من شأنها أن يتعقبها حياة إلا الموتة الأولى فلا فرق إذاً بين هذا وبين قوله ‏{‏إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 29‏]‏ في المعنى‏.‏ ويحتمل أن يكون هذا إنكاراً لما في قوله‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثنتين وَأَحْيَيْتَنَا اثنتين‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 11‏]‏ ‏{‏وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ‏}‏ بمبعوثين يقال‏:‏ أنشر الله الموتى‏.‏ ونشرهم إذا بعثهم ‏{‏فَأْتُواْ بِئَابَآئِنَا‏}‏ خطاب الذين كانوا يعدونهم النشور من رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ‏{‏إِن كُنتُمْ صادقين‏}‏ أي إن صدقتم فيما تقولون فعجلوا لنا إحياء من مات من آبائنا بسؤالكم ربكم ذلك حتى يكون دليلاً على أن ما تعدونه من قيام الساعة وبعث الموتى حق‏.‏

‏{‏أَهُمْ خَيْرٌ‏}‏ في القوة والمنعة ‏{‏أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ‏}‏ هو تبع الحميري كان مؤمناً وقومه كافرين‏.‏ وقيل‏:‏ كان نبياً في الحديث‏:‏ «وما أدرى أكان تبع نبياً أو غير نبي» ‏{‏والذين مِن قَبْلِهِمْ‏}‏ مرفوع بالعطف على ‏{‏قَوْمُ تُبَّعٍ‏}‏ ‏{‏أهلكناهم إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ‏}‏ كافرين منكرين للبعث ‏{‏وَمَا خَلَقْنَا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَآ‏}‏ أي وما بين الجنسين ‏{‏لاَعِبِينَ‏}‏ حال ولو لم يكن بعث ولا حساب ولا ثواب كان خلق الخلق للفناء خاصة فيكون لعباً ‏{‏مَا خلقناهمآ إِلاَّ بالحق‏}‏ بالجد ضد اللعب ‏{‏ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ‏}‏ أنه خلق لذلك‏.‏

‏{‏إِنَّ يَوْمَ الفصل‏}‏ بين المحق والمبطل وهو يوم القيامة ‏{‏ميقاتهم أَجْمَعِينَ‏}‏ وقت موعدهم كلهم ‏{‏يَوْمَ لاَ يُغْنِى مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً‏}‏ أيّ ولي كان عن أي ولي كان شيئاً من إغناء أي قليلاً منه ‏{‏وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ‏}‏ الضمير للمولى لأنهم في المعنى لتناول اللفظ على الإبهام والشياع كل مولى ‏{‏إِلاَّ مَن رَّحِمَ الله‏}‏ في محل الرفع على البدل من الواو في ‏{‏يُنصَرُونَ‏}‏ أي لا يمنع من العذاب إلا من رحمة الله ‏{‏إِنَّهُ هُوَ العزيز‏}‏ الغالب على أعدائه ‏{‏الرحيم‏}‏ لأوليائه‏.‏

‏{‏إنّ شَجَرَةَ الزقوم‏}‏ هي على صورة شجرة الدنيا لكنها في النار والزقوم ثمرها وهو كل طعام ثقيل ‏{‏طَعَامُ الأثيم‏}‏ هو الفاجر الكثير الآثام‏.‏ وعن أبي الدرداء أنه كان يقرئ رجلاً فكان يقول‏:‏ طعام اليتيم‏.‏ فقال‏:‏ قل طعام الفاجر يا هذا‏.‏ وبهذا تستدل على أن إبدال الكلمة مكان الكلمة جائز إذا كانت مؤدية معناها، ومنه أجاز أبو حنيفة رضي الله عنه القراءة بالفارسية بشرط أن يؤدي القارئ المعاني كلها على كمالها من غير أن يخرم منها شيئاً‏.‏

قالوا‏:‏ وهذه الشريطة تشهد أنها إجازة كلا إجازة لأن في كلام العرب خصوصاً في القرآن الذي هو معجز بفصاحته وغرابة نظمه وأساليبه من لطائف المعاني والدقائق ما لا يستقل بأدائه لسان من فارسية وغيرها‏.‏ ويُروى رجوعه إلى قولهما وعليه الاعتماد ‏{‏كالمهل‏}‏ هو دردي الزيت، والكاف رفع خبر بعد خبر ‏{‏يَغْلِى فِى البطون‏}‏ بالياء‏:‏ مكي وحفص ‏(‏وقرئ بالتاء‏)‏ فالتاء للشجرة والياء للطعام ‏{‏كَغَلْىِ الحميم‏}‏ أي الماء الحار الذي انتهى غليانه ومعناه غلياً كغلي الحميم فالكاف منصوب المحل‏.‏ ثم يقال للزبانية ‏{‏خُذُوهُ‏}‏ أي الأثيم ‏{‏فاعتلوه‏}‏ فقودوه بعنف وغلظة، ‏{‏فاعتلوه‏}‏ مكي ونافع وشامي وسهل ويعقوب ‏{‏إلى سَوَآءِ الجحيم‏}‏ إلى وسطها ومعظمها ‏{‏ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الحميم‏}‏ المصبوب هو الحميم لا عذابه إلا أنه إذا صب عليه الحميم فقد صب عليه عذابه وشدته وصب العذاب استعارة ويقال له ‏{‏ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم‏}‏ على سبيل الهزؤ والتهكم‏.‏ ‏{‏إِنَّكَ‏}‏ أي لأنك‏:‏ عليّ ‏{‏إِنَّ هَذَا‏}‏ أي العذاب أو هذا الأمر هو ‏{‏مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ‏}‏ تشكون‏.‏

‏{‏إِنَّ المتقين فِى مَقَامٍ‏}‏ بالفتح وهو موضع القيام والمراد المكان وهو من الخاص الذي وقع مستعملاً في معنى العموم، وبالضم‏:‏ مدني وشامي وهو موضع الإقامة ‏{‏أَمِينٍ‏}‏ من أمن الرجل أمانة فهو أمين وهو ضد الخائن، فوصف به المكان استعارة لأن المكان المخيف كأنما يخون صاحبه بما يلقى فيه من المكاره ‏{‏فِى جنات وَعُيُونٍ‏}‏ بدل من ‏{‏مَقَامٍ أَمِينٍ‏}‏ ‏{‏يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ‏}‏ ما رقّ من الديباج ‏{‏وَإِسْتَبْرَقٍ‏}‏ ما غلظ منه وهو تعريب استبر، واللفظ إذا عرب خرج من أن يكون أعجمياً لأن معنى التعريب أن يجعل عربياً بالتصرف فيه وتغييره عن منهاجه وإجرائه على أوجه الإعراب فساغ أن يقع في القرآن العربي ‏{‏متقابلين‏}‏ في مجالسهم وهو أتم للأنس ‏{‏كذلك‏}‏ الكاف مرفوعة أي الأمر كذلك ‏{‏وزوجناهم‏}‏ وقرناهم ولهذا عدي بالباء ‏{‏بِحُورٍ‏}‏ جمع حوراء وهي الشديدة سواد العين والشديدة بياضها ‏{‏عِينٍ‏}‏ جمع عيناء وهي الواسعة العين ‏{‏يَدْعُونَ فِيهَا‏}‏ يطلبون في الجنة ‏{‏بِكلِّ فاكهة ءَامِنِينَ‏}‏ من الزوال والانقطاع وتولد الضرر من الإكثار ‏{‏لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا‏}‏ أي في الجنة ‏{‏الموت‏}‏ البتة ‏{‏إِلاَّ الموتة الأولى‏}‏ أي سوى الموتة الأولى التي ذاقوها في الدنيا‏.‏ وقيل‏:‏ لكن الموتة قد ذاقوها في الدنيا ‏{‏ووقاهم عَذَابَ الجحيم فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ‏}‏ أي للفضل فهو مفعول له أو مصدر مؤكد لما قبله لأن قوله ‏{‏ووقاهم عَذَابَ الجحيم‏}‏ تفضل منه لهم لأن العبد لا يستحق على الله شيئاً ‏{‏ذلك‏}‏ أي صرف العذاب ودخول الجنة ‏{‏هُوَ الفوز العظيم فَإِنَّمَا يسرناه‏}‏ أي الكتاب وقد جرى ذكره في أول السورة ‏{‏بلسانك لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ‏}‏ يتعظون ‏{‏فارتقب‏}‏ فانتظر ما يحل بهم ‏{‏إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ‏}‏ منتظرون ما يحل بك من الدوائر‏.‏

سورة الجاثية

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 10‏]‏

‏{‏حم ‏(‏1‏)‏ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ‏(‏2‏)‏ إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ ‏(‏3‏)‏ وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آَيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ‏(‏4‏)‏ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آَيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ‏(‏5‏)‏ تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ‏(‏6‏)‏ وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ‏(‏7‏)‏ يَسْمَعُ آَيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ‏(‏8‏)‏ وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آَيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ‏(‏9‏)‏ مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ‏(‏10‏)‏‏}‏

‏{‏حم‏}‏ إن جعلتها إسماً للسورة فهو مرفوعة بالابتداء والخبر ‏{‏تَنزِيلُ الكتاب مِنَ الله‏}‏ صلة للتنزيل، وإن جعلتها تعديداً للحروف كان ‏{‏تَنزِيلُ الكتاب‏}‏ مبتدأ والظرف خبراً ‏{‏العزيز‏}‏ في انتقامه ‏{‏الحكيم‏}‏ في تدبيره ‏{‏إِنَّ فِى السماوات والأرض لآيات‏}‏ لدلالات على وحدانيته، ويجوز أن يكون المعنى إن في خلق السماوات والأرض لآيات ‏{‏لِلْمُؤْمِنِينَ‏}‏ دليله قوله ‏{‏وَفِى خَلْقِكُمْ‏}‏ ويعطف ‏{‏وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ‏}‏ على الخلق المضاف لأن المضاف إليه ضمير مجرور متصل يقبح العطف عليه ‏{‏ءايات‏}‏ حمزة وعلي بالنصب‏.‏ وغيرهما بالرفع مثل قولك إن زيداً في الدار وعمراً في السوق أو وعمرو في السوق ‏{‏لِِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ واختلاف اليل والنهار وَمَا أَنَزَلَ الله مِنَ السمآء مَّن رِزْقٍ‏}‏ أي مطر وسمي به لأنه سبب الرزق ‏{‏فَأَحْيَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرياح‏}‏ ‏{‏الريح‏}‏ حمزة وعلي‏.‏ ‏{‏ءايات لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏}‏ بالنصب‏:‏ علي وحمزة، وغيرهما بالرفع، وهذا من العطف على عاملين سواء نصبت أو رفعت فالعاملان إذا نصبت «إن» و«في»‏.‏ أقيمت الواو مقامهما فعملت الجر في ‏{‏واختلاف اليل والنهار‏}‏ والنصب في ‏{‏ءايات‏}‏‏.‏ وإذا رفعت فالعاملان الابتداء و«في»‏.‏ عملت الواو الرفع في آيات والجر في ‏{‏واختلاف‏}‏ هذا مذهب الأخفش لأنه يجوز العطف على عاملين، وأما سيبويه فإنه لا يجيزه وتخريج الآية عنده، أن يكون على اضمار «في» والذي حسنه تقديم ذكر «في» في الآيتين قبل هذه الآية ويؤيده قراءة ابن مسعود رضي الله عنه ‏{‏وَفِى اختلاف اليل والنهار‏}‏ ويجوز أن ينتصب ‏{‏ءايات‏}‏ على الاختصاص بعد انقضاء المجرور معطوفاً على ما قبله، أو على التكرير توكيداً لآيات الأولى كأنه قيل‏:‏ آيات آيات، ورفعها بإضمار هي‏.‏ والمعنى في تقديم الإيمان على الإيقان وتوسيطه وتأخير الآخر، أن المنصفين من العباد إذا نظروا في السماوات والأرض نظراً صحيحاً علموا أنها مصنوعة وأنه لا بد لها من صانع فآمنوا بالله، فإذا نظروا في خلق أنفسهم وتنقلها من حال إلى حال وفي خلق ما ظهر على الأرض من صنوف الحيوان ازدادوا إيماناً وأيقنوا، فإذا نظروا في سائر الحوادث التي تتجدد في كل وقت كاختلاف الليل والنهار ونزول الأمطار وحياة الأرض بها بعد موتها، وتصريف الرياح جنوباً وشمالاً وقبولاً ودبوراً، عقلوا واستحكم علمهم وخلص يقينهم ‏{‏تِلْكَ‏}‏ إشارة إلى الآيات المتقدمة أي تلك الآيات ‏{‏ءايات الله‏}‏ وقوله ‏{‏نَتْلُوهَا‏}‏ في محل الحال أي متلوة ‏{‏عَلَيْكَ بالحق‏}‏ والعامل ما دل عليه ‏{‏تِلْكَ‏}‏ من معنى الإشارة ‏{‏فَبِأَىِّ حَدِيثٍ بَعْدَ الله وءاياته‏}‏ أي بعد آيات الله كقولهم «أعجبني زيد وكرمه» يريدون أعجبني كرم زيد ‏{‏يُؤْمِنُونَ‏}‏ حجازي وأبو عمرو وسهل وحفص، وبالتاء غيرهم على تقدير قل يا محمد‏.‏

‏{‏وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ‏}‏ كذاب ‏{‏أَثِيمٍ‏}‏ متبالغ في اقتراف الآثام ‏{‏يَسْمَعُ ءايات الله‏}‏ في موضع جر صفة ‏{‏تتلى عَلَيْهِ‏}‏ حال من آيات الله ‏{‏ثُمَّ يُصِرُّ‏}‏ يقبل على كفره ويقيم عليه ‏{‏مُسْتَكْبِراً‏}‏ عن الإيمان بالآيات والإذعان لما تنطق به من الحق مزدرياً لها معجباً بما عنده‏.‏ قيل‏:‏ نزلت في النضر بن الحرث وما كان يشتري من أحاديث العجم ويشغل بها الناس عن استماع القرآن‏.‏ والآية عامة في كل من كان مضاراً لدين الله‏.‏ وجيء ب «ثم» لأن الإصرار على الضلالة والاستكبار عن الإيمان عند سماع آيات القرآن مستبعد في العقول ‏{‏كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا‏}‏ «كأن» مخففة والأصل كأنه لم يسمعها والضمير ضمير الشأن ومحل الجملة النصب على الحال أي يصر مثل غير السامع ‏{‏فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ‏}‏ فأخبره خبراً يظهر أثره على البشرة‏.‏

‏{‏وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءاياتنا شَيْئاً‏}‏ وإذا بلغه شيء من آياتنا وعلم أنه منها ‏{‏اتخذها‏}‏ اتخذ الآيات ‏{‏هُزُواً‏}‏ ولم يقل اتخذه للإشعار بأنه إذا أحس بشيء من الكلام أنه من جملة الآيات خاض في الاستهزاء بجميع الآيات ولم يقتصر على الاستهزاء بما بلغه، ويجوز أن يرجع الضمير إلى شيء لأنه في معنى الآية كقول أبي العتاهية‏:‏

نفسي بشيء من الدنيا معلقة *** الله والقائم المهدي يكفيها

حيث أراد عتبة ‏{‏أولئك‏}‏ إشارة إلى كل أفاك أثيم لشموله الأفاكين ‏{‏لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ‏}‏ مخز ‏{‏مِّن وَرَآئِهِمْ‏}‏ من قدامهم الوراء اسم للجهة التي يواريها الشخص من خلف أو قدام ‏{‏جَهَنَّمُ وَلاَ يُغْنِى عَنْهُم مَّا كَسَبُواْ‏}‏ من الأموال ‏{‏شَيْئاً‏}‏ من عذاب الله ‏{‏وَلاَ مَا اتخذوا‏}‏ «ما» فيهما مصدرية أو موصلة ‏{‏مِن دُونِ الله‏}‏ من الأوثان ‏{‏أَوْلِيَآءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ‏}‏ في جهنم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏11- 24‏]‏

‏{‏هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ ‏(‏11‏)‏ اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ‏(‏12‏)‏ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ‏(‏13‏)‏ قُلْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ‏(‏14‏)‏ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ‏(‏15‏)‏ وَلَقَدْ آَتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ‏(‏16‏)‏ وَآَتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ‏(‏17‏)‏ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏18‏)‏ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ ‏(‏19‏)‏ هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ‏(‏20‏)‏ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ‏(‏21‏)‏ وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ‏(‏22‏)‏ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ‏(‏23‏)‏ وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ‏(‏24‏)‏‏}‏

‏{‏هذا هُدًى‏}‏ إشارة إلى القرآن ويدل عليه ‏{‏والذين كَفَرُواْ بئايات رَبِّهِمْ‏}‏ لأن آيات ربهم هي القرآن أي هذا القرآن كامل في الهداية كما تقول‏:‏ زيد رجل أي كامل في الرجولية ‏{‏لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ‏}‏ هو أشد العذاب ‏{‏أَلِيمٌ‏}‏ بالرفع‏:‏ مكي ويعقوب وحفص صفة ل ‏{‏عذاب‏}‏ وغيرهم بالجر صفة ل ‏{‏رجز‏}‏ ‏{‏الله الذى سَخَّرَ لَكُمُ البحر لِتَجْرِىَ الفلك فِيهِ بِأَمْرِهِ‏}‏ بإذنه ‏{‏وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ‏}‏ بالتجارة أو بالغوص على اللؤلؤ والمرجان واستخراج اللحم الطري ‏{‏وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى السماوات وَمَا فِى الأرض جَمِيعاً‏}‏ هو تأكيد ما في السموات وهو مفعول ‏{‏سَخَّرَ‏}‏ وقيل‏:‏ ‏{‏جَمِيعاً‏}‏ نصب على الحال ‏{‏مِّنْهُ‏}‏ حال أي سخر هذه الأشياء كائنة منه حاصلة من عنده، أو خبر مبتدأ محذوف أي هذه النعم كلها منه، أو صفة للمصدر أي تسخيراً منه ‏{‏إِنَّ فِى ذلك لآيات لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ‏}‏ أي قل لهم اغفروا يغفروا فحذف المقول لأن الجواب يدل عليه‏.‏ ومعنى يغفروا يعفوا ويصفحوا‏.‏ وقيل‏:‏ إنه مجزوم بلام مضمر تقديره ليغفرو فهو أمر مستأنف وجاز حذف اللام للدلالة على الأمر ‏{‏لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ الله‏}‏ لا يتوقعون وقائع الله بأعدائه من قولهم لوقائع العرب أيام العرب‏.‏ وقيل‏:‏ لا يؤملون الأوقات التي وقتها الله تعالى لثواب المؤمنين ووعدهم الفوز فيها‏.‏ قيل‏:‏ نزلت في عمر رضي الله عنه حين شتمه رجل من المشركين من بني غفار فهم أن يبطش به ‏{‏لِيَجْزِىَ‏}‏ تعليل للأمر بالمغفرة أي إنما أمروا بأن يغفروا ليوفيهم جزاء مغفرتهم يوم القيامة‏.‏ وتنكير ‏{‏قَوْماً‏}‏ على المدح لهم كأنه قيل‏:‏ ليجزي أيما قوم و‏{‏قَوْماً‏}‏ مخصوصين بصبرهم على أذى أعدائهم‏.‏ ‏{‏لنجزى‏}‏ شامي وحمزة وعلي‏.‏ ‏{‏ليُجْزَىَ قَوْماً‏}‏ يزيد أي ليجزى الخير قوماً فأضمر الخير لدلالة الكلام عليه كما أضمر الشمس في قوله ‏{‏حتى تَوَارَتْ بالحجاب‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 32‏]‏ لأن قوله ‏{‏إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بالعشى‏}‏ دليل على تواري الشمس، وليس التقدير ليجزي الجزاء قوماً لأن المصدر لا يقوم مقام الفاعل ومعك مفعول صحيح، أما إقامة المفعول الثاني مقام الفاعل فجائز وأنت تقول جزاك الله خيراً ‏{‏بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ‏}‏ من الإحسان‏.‏

‏{‏مَّنْ عَمِلَ صالحا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا‏}‏ أي لها الثواب وعليها العقاب ‏{‏ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ‏}‏ أي إلى جزائه‏.‏ ‏{‏وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا بَنِى إسراءيل الكتاب‏}‏ التوراة ‏{‏والحكم‏}‏ الحكمة والفقه أو فصل الخصومات بين الناس لأن الملك كان فيهم ‏{‏والنبوة‏}‏ خصها بالذكر لكثرة الأنبياء عليهم السلام فيهم ‏{‏وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطيبات‏}‏ مما أحل الله لهم وأطاب من الأرزاق ‏{‏وفضلناهم عَلَى العالمين‏}‏ على عالمي زمانهم ‏{‏وءاتيناهم بينات‏}‏ آيات ومعجزات ‏{‏مِّنَ الأمر‏}‏ من أمر الدين ‏{‏فَمَا اختلفوآ‏}‏ فما وقع الخلاف بينهم في الدين ‏{‏إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ العلم بَغْيًا بَيْنَهُمْ‏}‏ أي إلا من بعد ما جاءهم ما هو موجب لزوال الخلاف وهو العلم وإنما اختلفوا لبغي حدث بينهم أي لعداوة وحسد بينهم ‏{‏إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ‏}‏ قيل‏:‏ المراد اختلافهم في أوامر الله ونواهيه في التوراة حسداً وطلباً للرياسة لا عن جهل يكون الإنسان به معذوراً‏.‏

‏{‏ثُمَّ جعلناك‏}‏ بعد اختلاف أهل الكتاب ‏{‏على شَرِيعَةٍ‏}‏ على طريقة ومنهاج ‏{‏مِّنَ الأمر‏}‏ من أمر الدين ‏{‏فاتبعها‏}‏ فاتبع شريعتك الثابتة بالحجج والدلائل ‏{‏وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ‏}‏ ولا تتبع ما لا حجة عليه من أهواء الجهال ودينهم المبني على هوى وبدعة وهم رؤساء قريش حين قالوا‏:‏ ارجع إلى دين آبائك ‏{‏إِنَّهُمْ‏}‏ إن هؤلاء الكافرين ‏{‏لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ الله شَيْئاً وَإِنَّ الظالمين بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ والله وَلِىُّ المتقين‏}‏ وهم موالوه وما أبين الفضل بين الولايتين‏.‏

‏{‏هذا‏}‏ أي القرآن ‏{‏بصائر لِلنَّاسِ‏}‏ جعل ما فيه من معالم الدين والشرائع بمنزلة البصائر في القلوب كما جعل روحاً وحياة ‏{‏وَهُدَىً‏}‏ من الضلالة ‏{‏وَرَحْمَةٌ‏}‏ من العذاب ‏{‏لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ‏}‏ لمن آمن وأيقن بالبعث ‏{‏أَمْ حَسِبَ الذين‏}‏ «أم» منقطعة ومعنى الهمزة فيها إنكار الحسبان ‏{‏اجترحوا السيئات‏}‏ اكتسبوا المعاصي والكفر ومنه الجوارح وفلان جارحة أهله أي كاسبهم ‏{‏أَن نَّجْعَلَهُمْ‏}‏ أن نصيرهم وهو من «جعل» المتعدي إلى مفعولين فأولهما الضمير والثاني الكاف في ‏{‏كالذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات‏}‏ والجملة التي هي ‏{‏سَوَآءً محياهم ومماتهم‏}‏ بدل من الكاف لأن الجملة تقع مفعولاً ثانياً فكانت في حكم المفرد، ‏{‏سَوَآء‏}‏ علي وحمزة وحفص بالنصب على الحال من الضمير في ‏{‏نَّجْعَلَهُمْ‏}‏ ويرتفع ‏{‏محياهم ومماتهم‏}‏ ب ‏{‏سَوَآء‏}‏‏.‏ وقرأ الأعمش ‏{‏ومماتهم‏}‏ بالنصب جعل ‏{‏محياهم ومماتهم‏}‏ ظرفين كمقدم الحاج أي سواء في محياهم وفي مماتهم‏.‏ والمعنى إنكار أن يستوي المسيئون والمحسنون محياً وأن يستووا مماتاً لافتراق أحوالهم أحياء، حيث عاش هؤلاء على القيام بالطاعات وأولئك على اقتراف السيئات، ومماتاً حيث مات هؤلاء على البشرى بالرحمة والكرامة وأولئك على اليأس من الرحمة والندامة، وقيل‏:‏ معناه إنكار أن يستووا في الممات كما استووا في الحياة في الرزق والصحة، وعن تميم الداري رضي الله عنه أنه كان يصلي ذات ليلة عند المقام فبلغ هذه الآية فجعل يبكي ويردد إلى الصباح، وعن الفضيل أنه بلغها فجعل يرددها ويبكي ويقول‏:‏ يا فضيل ليت شعري من أي الفريقين أنت ‏{‏سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ‏}‏ بئس ما يقضون إذا حسبوا أنهم كالمؤمنين فليس من أقعد على بساط الموافقة كمن أقعد على مقام المخالفة بل نفرق بينهم فنعلي المؤمنين ونخزي الكافرين‏.‏

‏{‏وَخَلَقَ الله السماوات والأرض بالحق‏}‏ ليدل على قدرته ‏{‏ولتجزى‏}‏ معطوف على هذا المعلل المحذوف ‏{‏كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ‏}‏ أي هو مطواع لهوى النفس يتبع ما تدعوه إليه فكأنه يعبده كما يعبد الرجل إلهه ‏{‏وَأَضَلَّهُ الله على عِلْمٍ‏}‏ منه باختياره الضلال أو أنشأ فيه فعل الضلال على علم منه بذلك ‏{‏وَخَتَمَ على سَمْعِهِ‏}‏ فلا يقبل وعظاً ‏{‏وَقَلْبِهِ‏}‏ فلا يعتقد حقاً ‏{‏وَجَعَلَ على بَصَرِهِ غشاوة‏}‏ فلا يبصر عبرة، ‏{‏غشاوة‏}‏ حمزة وعلي ‏{‏فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ الله‏}‏ من بعد إضلال الله إياه ‏{‏أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ‏}‏ بالتخفيف‏:‏ حمزة وعلي وحفص، وغيرهم بالتشديد‏.‏ فأصل الشر متابعة الهوى والخير كله في مخالفته فنعم ما قال‏:‏

إذا طلبتك النفس يوماً بشهوة *** وكان إليها للخلاف طريق

فدعها وخالف ما هويت فإنما *** هواك عدو والخلاف صديق

‏{‏وَقَالُواْ مَا هِىَ‏}‏ أي ما الحياة لأنهم وعدوا حياة ثانية ‏{‏إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا‏}‏ التي نحن فيها ‏{‏نَمُوتُ وَنَحْيَا‏}‏ نموت نحن ونحيا ببقاء أولادنا، أو يموت بعض ويحيا بعض، أو نكون مواتاً نطفاً في الأصلاب ونحيا بعد ذلك، أو يصيبنا الأمران الموت والحياة يريدون الحياة في الدنيا والموت بعدها وليس وراء ذلك حياة‏.‏ وقيل‏:‏ هذا كلام من يقول بالتناسخ أي يموت الرجل ثم تجعل روحه في موات فيحيا به ‏{‏وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدهر‏}‏ كانوا يزعمون أن مرور الأيام والليالي هو المؤثر في هلاك الأنفس وينكرون ملك الموت وقبضه الأرواح بإذن الله، وكانوا يضيفون كل حادثة تحدث إلى الدهر والزمان، وترى أشعارهم ناطقة بشكوى الزمان ومنه قوله عليه السلام‏:‏ «لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر» أي فإن الله هو الآتي بالحوادث لا الدهر ‏{‏وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ‏}‏ وما يقولون ذلك من علم ويقين ولكن من ظن وتخمين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏25- 37‏]‏

‏{‏وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآَبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏25‏)‏ قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏26‏)‏ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ ‏(‏27‏)‏ وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ‏(‏28‏)‏ هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ‏(‏29‏)‏ فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ ‏(‏30‏)‏ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ ‏(‏31‏)‏ وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ ‏(‏32‏)‏ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ‏(‏33‏)‏ وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ‏(‏34‏)‏ ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ‏(‏35‏)‏ فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏36‏)‏ وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ‏(‏37‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ ءاياتنا‏}‏ أي القرآن يعني ما فيه من ذكر البعث ‏{‏بينات مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ‏}‏ وسمى قولهم حجة وإن لم يكن حجة لأنه في زعمهم حجة ‏{‏إِلاَّ أَن قَالُواْ ائتوا بِأَبَآءِنَا‏}‏ أي أحيوهم‏.‏

‏{‏الله إِن كُنتُمْ صادقين‏}‏ في دعوى البعث، و‏{‏حُجَّتَهُمْ‏}‏ خبر «كان» واسمها ‏{‏أَن قَالُواْ‏}‏ والمعنى ما كان حجتهم إلا مقالتهم‏:‏ ‏{‏ائتوا بِئَابَائِنَا‏}‏ وقرئ ‏{‏حُجَّتَهُمْ‏}‏ بالرفع على أنها اسم «كان» و‏{‏أَن قَالُواْ‏}‏ الخبر‏.‏ ‏{‏قُلِ الله يُحْيِيكُمْ‏}‏ في الدنيا ‏{‏ثُمَّ يُمِيتُكُمْ‏}‏ فيها عند انتهاء أعماركم ‏{‏ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إلى يَوْمِ القيامة‏}‏ أي يبعثكم يوم القيامة جميعاً ومن كان قادراً على ذلك كان قادراً على الإتيان بآبائكم ضرورة ‏{‏لاَ رَيْبَ فِيهِ‏}‏ أي في الجمع ‏{‏ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ‏}‏ قدرة الله على البعث لإعراضهم عن التفكر في الدلائل ‏{‏وَلِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ المبطلون‏}‏ عامل النصب في ‏{‏يَوْمٍ تَقُومُ‏}‏ ‏{‏يَخْسَرُ‏}‏ و‏{‏يَوْمَئِذٍ‏}‏ بدل من ‏{‏يَوْمٍ تَقُومُ‏}‏ ‏{‏وترى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً‏}‏ جالسة على الركب، يقال‏:‏ جثا فلان يجثو إذا جلس على ركبتيه وقيل جاثية مجتمعة ‏{‏كُلُّ أُمَّةٍ‏}‏ بالرفع على الابتداء ‏{‏كُلَّ‏}‏ بالفتح‏:‏ يعقوب على الإبدال من ‏{‏كُلَّ أُمَّةٍ‏}‏ ‏{‏تدعى إلى كتابها‏}‏ إلى صحائف أعمالها فاكتفى باسم الجنس فيقال لهم ‏{‏اليوم تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ‏}‏ في الدنيا‏.‏

‏{‏هذا كتابنا‏}‏ أضيف الكتاب إليهم لملابسته إياهم لأن أعمالهم مثبتة فيه وإلى الله تعالى لأنه مالكه والآمر ملائكته أن يكتبوا فيه أعمال عباده ‏{‏يَنطِقُ عَلَيْكُم‏}‏ يشهد عليكم بما عملتم ‏{‏بالحق‏}‏ من غير زيادة ولا نقصان ‏{‏إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ‏}‏ أي نستكتب الملائكة أعمالكم‏.‏ وقيل‏:‏ نسخت واستنسخت بمعنى وليس ذلك بنقل من كتاب بل معناه نثبت ‏{‏فَأَمَّا الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِى رَحْمَتِهِ‏}‏ جنته ‏{‏ذَلِكَ هُوَ الفوز المبين وَأَمَّا الذين كَفَرُوآ‏}‏ فيقال لهم ‏{‏أَفَلَمْ تَكُنْ ءاياتى تتلى عَلَيْكُمْ‏}‏ والمعنى ألم يأتكم رسلي فلم تكن آياتي تتلى عليكم فحذف المعطوف عليه ‏{‏فاستكبرتم‏}‏ عن الإيمان بها ‏{‏وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ‏}‏ كافرين ‏{‏وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ الله‏}‏ بالجزاء ‏{‏حَقٌّ والساعة‏}‏ بالرفع عطف على محل «إن» واسمها‏.‏ ‏{‏والساعة‏}‏‏:‏ حمزة عطف على ‏{‏وَعَدَ الله‏}‏ ‏{‏لاَ رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِى مَا الساعة‏}‏ أي شيء الساعة ‏{‏إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً‏}‏ أصله نظن ظناً ومعناه إثبات الظن فحسب فأدخل حرف النفي والاستثناء ليفاد إثبات الظن مع نفي ما سواه، وزيد نفي ما سوى الظن توكيداً بقوله ‏{‏وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ وَبَدَا لَهُمْ‏}‏ ظهر لهؤلاء الكفار ‏{‏سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ‏}‏ قبائح أعمالهم أو عقوبات أعمالهم السيئات كقوله‏:‏

‏{‏وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 40‏]‏ ‏{‏وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ‏}‏ ونزل بهم جزاء استهزائهم‏.‏

‏{‏وَقِيلَ اليوم نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هذا‏}‏ أي نترككم في العذاب كما تركتم عدة لقاء يومكم وهي الطاعة، وإضافة اللقاء إلى اليوم كإضافة المكر في قوله ‏{‏بَلْ مَكْرُ اليل والنهار‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 33‏]‏ أي نسيتم لقاء الله تعالى في يومكم هذا ولقاء جزائه ‏{‏وَمَأْوَاكُمُ النار‏}‏ أي منزلكم ‏{‏وَمَا لَكُمْ مِّن ناصرين ذلكم‏}‏ العذاب ‏{‏بِأَنَّكُمُ‏}‏ بسبب أنكم ‏{‏اتخذتم ءايات الله هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ الحياة الدنيا فاليوم لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا‏}‏ ‏{‏لاَ يَخْرُجُونَ‏}‏ حمزة وعلي ‏{‏وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ‏}‏ ولا يطلب منهم أن يعتبوا ربهم أي يرضوه ‏{‏فَلِلَّهِ الحمد رَبِّ السماوات وَرَبِّ الأرض رَبِّ العالمين‏}‏ أي فاحمدوا الله الذي هو ربكم ورب كل شيء من السماوات والأرض والعالمين، فإن مثل هذه الربوبية العامة توجب الحمد والثناء على كل مربوب ‏{‏وَلَهُ الكبريآء فِى السماوات والأرض‏}‏ وكبّروه فقد ظهرت آثار كبريائه وعظمته في السماوات والأرض ‏{‏وَهُوَ العزيز‏}‏ في انتقامه ‏{‏الحكيم‏}‏ في أحكامه‏.‏